فهرس الكتاب

الصفحة 502 من 573

والأضرار بكل أنواعها، أصدر الرجل أوامره في العامين الميلاديين 1813 و 1814 بإنشاء حجر صحى في مدينة الإسكندرية، لكن الطريقة والأسلوب المخزى الذى نفذ به ذلك الحجر، أثبت إثباتا قاطعا أن الرجل لم تكن لديه الرغبة الحقيقية في تأمين مواطنيه من مخاوف العدوى، بل وصل الأمر إلى حد التخلى عن هذا الموضوع تخليا تاما. أودت بى تحرياتى، هى وآراء كثير من الأتراك الذين يحكمون على ما تتخذه حكومتهم من إجراءات حكما أكثر صوابا ودقة، مما ضاعف من قناعتى بأن الباشا الكبير هو وباشاواته، يصبرون على الطاعون في ممتلكاتهم لأن تعدد الوفيات وكثرتها يملأ أكياس نقودهم بالأموال، وفيما يتعلق بمصر، أرى أن هذا السبب كان حقيقيا وبلا منازع، بل إنه كان السبب الرئيسى.

معروف أن المدن التجارية التى من قبيل القاهرة، والإسكندرية، ودمياط تعج بالتجار الأجانب، والأغراب الذين يفدون على هذه المدن من كل أصقاع الشرق ليقيموا فيها، والقانون ينص، على أن ممتلكات الأفراد الذين لا يكون لهم ورثة مباشرون يطالبون بتلك الممتلكات، يجب أن تئول إلى بيت المال؛ تلك الخزانة، التى كانت تخدم من قبل أغراضا وأهدافا مفيدة للشعب والرعايا، لكنها أصبحت الآن تحت إمرة الحكام والمحافظين وحدهم؛ هذا يعنى أن ازدياد معدل الوفيات يتسبب في وضع مبالغ كبيرة بين أيدى هؤلاء الحكام والمحافظين، وهذا يعنى أن كل وال من ولاة الأحياء في أية بلدة من البلدان يتحتم عليه، في ظل أشد العقوبات، إبلاغ الحكومة عن أى غريب أو أى فرد يكون بلا ورثة، وتوافيه المنية في حى أى وال من هؤلاء الولاة؛ أموال مثل هؤلاء المتوفين لا يتم الاستيلاء عليها بهذه الطريقة وحسب، وإنما يجرى الاستيلاء أيضا على ممتلكات أولئك الأشخاص الذين يكون لهم ورثة، ولكنهم متغيبون في بعض البلدان الأجنبية، والذين ليست لهم امتيازات أخرى، غير التقدم بالشكوى التى لا طائل من ورائها إلى الحاكم أو المحافظ نفسه، الذى يحول دخل بيت المال إلى مصلحته الخاصة. أبشع أنواع الظلم ترتكب بحق ممتلكات المتوفين، وفى فترات انتشار الطاعون، ففى هذه المناسبات يشارك كل من القاضى ومن معه من فريق العلماء، وكبار الموظفين، بل حتى صغار الموظفين، الكل يشاركون في هذا السلب والنهب غير

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت