فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 89

أصالة البحث الدلالي عند العرب:

ولا تحسبن أن المحدثين قد أتوا بجديد محض، أو ابتكروا ما لم يكن، أو بحثوا ما لم يسبق إليه فالأمر قد يكون على العكس هنا، ذلك أذا لاحظنا جهود السابقين من علماء العرب والمسلمين الذين أشاروا لجمل من الموضوع أو كتبوا في دلالته أو كشفوا عن سماته، فكوّنوا بذلك ركائزه الضخمة وحققوا مزية الاكتشاف العلمي.

إن وضع اللبنات الأولى لهذا التخطيط، قد يعتبر سبقًا إلى الموضوع وابتكارًا متقصدًا لمفرداته، وتأصيلًا متميزًا لمصطلحه، مهما كان التعبير عنه متفاوتًا في الصيغ الإدائية لقد ذهب جملة من علمائنا القدامى إلى وجود مناسبة طبيعية بين اللفظ ومدلوله، فالألفاظ عندهم لم تنفصل عن دلالاتها الصوتية في كثير من الأحيان، كما لم تتخلَ عن المعاني الدالة عليها نقديًا وبلاغيًا ولغويًا في شتى الوجوه المرتبطة بها عند الإطلاق (1) .

إن هذه المدرسة المتفوقة الإدراك لم تتأصل فجأة، ولم تتبلور معطياتها الجمالية بغتة، وإنما عركها الزمن في تطوره من خلال الأخذ والرد وتقلب أيدي الفطاحل من العلماء الناقدين، فأتت مختمرة الأبعاد وإن عبر عنها بشكل وآخر، إلا أننا نرصدها هنا وهناك بعد جهد وعناء، حتى تتكامل الرؤية الحقيقية لهذه المكنونات المجتزأة في إشارة عابرة حينًا، وفي إفادة عامة حينًا آخر، وبين طيّات تلك الكتب التي يصور هدفها الأولي مرادًا معينًا قد يختلف عما نحن بصدد إبرازه إلى العيان، وليس اكتشاف هذه الشذرات أمرًا هينًا. ولكنه بطبيعة البحث العلمي عناء متراكم تتولد عنه

(1) ظ. المؤلف، نظرية النقد العربي في ثلاثة محاور متطورة، قضية اللفظ والمعنى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت