فهرس الكتاب
التي حققها القرآن الكريم، وما يقال في جميع السور والآيات الأخرى، وبالنسبة للصنوف البديعية كافة.
وهنا ـ ونحن في هذا السياق ـ أود أن أشير إلى صيغة تنسجم مع هذا العرف الذي نتحدث عنه بإيجاز، هذه الصّيغة هي كلمة «المقابر» في قوله تعالى: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ(1) حَتَّى زُرْتُمُ المَقَابِرَ (2 ) ) (1) لا أدعي أن اتفاق الفاصلة عند الراء في كلمتي التكاثر والمقابر، تفرضه طبيعة النسق القرآني في التعبير المسجوع كما يتخيل، بدليل أنه ينتقل منه فورًا إلى فاصلة تقف عند النون دون التفات إلى الصيغة الأولى الساربة في طريقها فيقول: (كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ(1) ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (2 ) ) (2) ، فإذا جاز له الانتقال بها جاز له الانتقال فيما قبلها مباشرة كما هو ظاهر، بل إن هذا اللفظ «المقابر» يفرض نفسه فرضًا قاطعًا، وذلك أن هذا الإنسان المتناسي الطاغي المتكاثر بأمواله ولذاته، وشهواته، ومدخراته، ونسائه، وأولاده، ودوره، وقصوره وخدمه وحشمه، وإداراته وشؤونه، وهذا كله تكاثر قد يصحبه التفاخر، والتنابز، والتنافر، إن هذا مما يناسبه «المقابر» وهي جمع مقبرة، والمقبرة الواحدة لا سيّما المترامية الأطراف مرعبة هائلة. فإذا ضممنا مقبرة أخرى ومقبرة مثلها ازددنا إيحاشًا ورعبًا وفزعًا، فإذا أصبحت مقابر عديدة، تضاعف الرعب والرهب، إذن هذا التكاثر الشهواني في كل شيء، يناسبه ويوافقه الجمع المليوني للقبور، لتصبح مقابرَ لا قبورًا ولو قيل في غير القرآن بمساواة القبور للمقابر في الدلالة لما سد هذا الشاغر الدلالي شيء آخر من الألفاظ.
وتعقب الدكتورة بنت الشاطئ على هذا الإدراك فتقول: «وقد تجد الصيغة البلاغية في استعمال المقابر هنا مجرد ملائمة صوتية للتكاثر، وقد يحس أهل هذه الصنعة ونحن معهم فيها، نسق الإيقاع، وانسجام النغم لكن أهذا كل ما في استعمال للفظ «المقابر» في آية التكاثر؟.
الذي أراه أن وراء هذا الملحظ البلاغي اللفظي ملحظًا بيانيًا يتصل
(1) سورة التكاثر: 1 ـ 2.
(2) سورة التكاثر: 3 ـ 4.