الصفحة 2498 من 5566

النظام، وإرادته وحكمته من إحكام وإتقان، وقد سبق تفصيل هذا في سورتى الأعراف ويونس.

(3) (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى) أي وذلل الشمس والقمر وجعلهما طائعين لما أريد منهما لمنافع خلقه، فكل منهما يسير في منازله لوقت معين؛ فالشمس تقطع فلكها في سنة، والقمر في شهر لا يختلف جرى كل منهما عن النظام الذي قدر له، وإليه الإشارة بقوله «وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها» وقوله «وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ» وإيضاح هذا ذكر في سورتى يونس وهود، وبعد أن ذكر هذه الدلائل قال:

(يُدَبِّرُ الْأَمْرَ) أي إنه تعالى يتصرف في ملكه على أتم الحالات وأكمل الوجوه؛ فهو يميت ويحيى، ويوجد ويعدم، ويغنى ويفقر، وينزل الوحى على من يشاء من عباده، وفى ذلك برهان ساطع على القدرة والرحمة، فإن اختصاص كل شئ بوضع خاص وصفة معينة لا يكون إلا من مدبر اقتضت حكمته أن يكون كذلك، فتدبيره لعالم الأجسام كتدبيره لعالم الأرواح، وتدبيره للكبير كتدبيره للصغير، لا يشغله شأن عن شأن، ولا يمنعه تدبير شئ عن تدبير آخر كما هو شأن المخلوقات في هذه الدنيا، وكذلك هو دليل أيضا على أنه تعالى متعال في ذاته وصفاته وعلمه وقدرته لا يشبه شيئا من مخلوقاته.

(يُفَصِّلُ الْآياتِ) أي يلبس الموجودات ثوب الوجود بنظام محكم دقيق، ويوجد بينها ارتباطات تجعلها كأنها سلسلة متصلة الحلقات لا انفصام لبعضها عن بعض؛ فالمجموعة الشمسية من الشمس والقمر والكواكب مرتبطة في حركاتها بنظام خاص بوساطة الجاذبية لا تحيد عن سننه ولا تجد معدلا عن السير فيه بحسب النهج الذي قدر لها، ولا تزال كذلك حتى ينتهى العالم، فيحدث حينئذ تغيير لأوضاعها، واختلال لحركاتها: «إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ. وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت