فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 350

يحول تحويلا كليا وإلا لأنكره العلماء الذين هم من الأئمة المجتهدين رضى الله عنهم مع توقيره لهم إذ ذاك، كان الإمامان أبو يوسف ومحمد بن الحسن رضى الله عنهما والإمام مالك بن أنس رضى الله عنهم موجودين يومئذ، وقد أقروا ذلك وسكتوا عليه، وأيضا من سار بعد ذلك الوقت في مرتبة الاجتهاد كالإمام الشافعى وأحمد بن حنبل وبقية المجتهدين رضى الله عنهم، فكان إجماعا منهم رضى الله عنهم على صحة السعى، ويبقى الإشكال في جواز إدخال شئ من المسعى في المسجد وكيف يصير ذلك مسجدا، وكيف يصير حال الاعتكاف فيه؟ وجوابه أن يجعل حكم المسعى حكم الطريق العام، قال علماؤنا: إدخال الطريق في المسجد إذا لم يضر بأصحاب الطريق فيصير مسجدا ويصح الاعتكاف حيث لم يضر بمن يسعى والله تعالى أعلم، فاعلم ذلك وهذا مما تفردت ببيانه والحمد لله على التوفيق لبيانه، انتهى كلام القطبى.

وأقول في قوله: إن حكم المسعى حكم الطريق العام وإن حكم الطريق العام أنه إذا لم يضر بأهله أنه يجوز إدخاله في المسجد ويصير مسجدا يصح الاعتكاف فيه نظر لا يخفى؛ وذلك لأن الفرق بين الطريق العام والمسعى ظاهر؛ لأن في المسعى أمرا ظاهرا يقتضى عدم إلحاقه بالطريق العام وهو كونه متعبدا أو نسكا لعامة المسلمين فصارت كالمساجد وغيرها من المسبلات، وما هذا شأنه لا اختصاص منه لأحد إلا بالسبق بالبناء فلا إذ هو ممتنع فيه، ونظير ذلك ما اعترض به على إفتاء الشيخ نجم الدين عبد الرحمن بن يوسف الأصفونى الشافعى مؤلف مختصر الروضة حيث أفتى بأن منى كغيرها في جواز بيع دورها وإجارتها، فاعترض عليه بأنه غير سديد نقلا ونظرا، أما بالنقل فلما روى من حديث عائشة رضى الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله ألا نبنى لك بناء يظلك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا منى مناخ من سبق، أخرجه الترمذى وحسنه وجزم النووى في المنهاج بأن منى ومزدلفة لا يجوز إحياء مواتها كعرفة، وأما النظر فلأن أعظم ما يمكن أن يتمسك به في ذلك أن يقال بجواز إحياء موات الحرام ومنى منه فيملك ما أحيى فيها ويجرى فيه أحكام تلك الملك، وهذا لا يستقيم؛ لأن في منى أمرا زائدا لعامة المسلمين فصارت كالمساجد وغيرها من المسبلات، وما هذا شأنه لا اختصاص فيه لأحد إلا بالسبق، وأما بالبناء فلا، إذ هو ممتنع والله أعلم، والعجب كل العجب من القطبى (1) حيث ذكر هذا الجواب

(1) انظر إعلام العلماء الأعلام ص 26.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت