فهرس الكتاب
أن العرف اقتضى ذلك، فنزل النذر عليه، ولا شك أنه إذا كان عرف حمل عليه، وإن لم يكن عرف فيظهر أن يجيء فيه خلاف على وجهين: أحدهما: لا يصح النذر، ولأنه لم يشهد له الشرع بخلاف الكعبة والحجرة الشريفة، والثانى: تصح إذا كان مشهورا بالخير، وعلى هذا ينبغى أن يصرف في مصالحه الخاصة به ولا يتعداها، والأقرب عندى بطلان النذر لما سوى الكعبة والحجرة الشريفة والمساجد الثلاثة لعدم شهادة الشرع لها، وإن من أخرج من ماله شيئا لها، واقتضى العرف صرفه في جهة من جهاتها صرف إليها واختصت به والله أعلم.
وقال المحب (1) الطبرى في حديث شيبة السابق لما أخبره شيبة: أن النبى صلى الله عليه وسلم وأبا بكر لم يتعرضا للمال رأى عمر رضى الله عنه أن ذلك هو الصواب، وكأنه رأى حينئذ أن ما جعل في الكعبة يجرى مجرى الوقف عليها فلا يجوز تغييره، أو رأى ترك ذلك تورعا حين أخبره شيبة أن صاحبيه تركاه وإن كان رأيه إنفاقه في سبيل الله، فتركه صلى الله عليه وسلم إنما هو رعاية لقلوب قريش كما ترك بناء الكعبة على قواعد إبراهيم لذلك وأيده شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر برواية مسلم في خبر عائشة: «لو لا قومك حديثو عهد بجاهلية» الحديث: وفيه: «ولأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله، ولجعلت بابها بالأرض» ، قال: وعليه فإنفاقها جائز كما جاز لابن الزبير بناؤها على قواعد إبراهيم صلى الله عليه وسلم لزوال سبب الامتناع انتهي.
وتقدم المراد بالكنز وتعريفه قال (2) ابن حجر عقب نقله لما تقدم: فإن قلت: هذا ينافى ما ذكره أصحابنا من أنه لا يجوز صرف شيء من مال الكعبة الذى أهدى لها إلى شيء من المصالح الخارجة عنها، فما جوابهم عن ذلك؟
قلت: يمكن أن يجاب من جهتهم عن ذلك بأن ترك أبى بكر وعمر رضى الله عنهما وبقية الخلفاء الراشدين لأخذه وإنفاقه في سبيل الله تعالى مع شدة احتياجهم إليه، ومع زوال ذلك المعنى الذى خشيه صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد موته
(1) انظر القرى لقاصد أم القرى ص 66.
(2) انظر رسالته المناهل العذبة مخطوط لوحة 9.