الصفحة 1189 من 1395

تمحلات لغوية، ولا أن نقول كما قال بعض علماء التوحيد إن الرسالة لا تكون إلا بعد الأربعين، ولا غرو فنحن أمام شخصية جعلها الإعداد الإلهي، والإعجاز الإلهي لا تسير على سنن العادة، فعيسى مخلوق غير عادي في مولده وفي مبعثه وفي مماته (1) ، عليه صلوات الله وسلامه.

وجاء في تفسير النسفي: روى عن الحسن أنه كان في المهد نبيّا وكلامه معجزته، وقيل إن معناه أن ذلك سبق في قضائه أو جعل الآتي لا محالة كأنه وجد (2) ، ويقول الفخر الرازي: إن قوله: (وَجَعَلَنِي نَبِيًّا) يدل على أن ذلك قد حصل من قبل، إما ملاصقا لذلك الكلام أو متقدما عليه بأزمان، والظاهر أنه من قبل أن كلمهم آتاه الله الكتاب وجعله نبيّا، بالصلاة والزكاة وأن يدعو إلي الله تعالى وإلى دينه وإلى ما خص به من الشريعة، فقيل هذا الوحي نزل عليه وهو في بطن أمه، وقيل لما انفصل من الأم آتاه الله الكتاب والنبوة، وأنه تكلم مع أمه وأخبرها بحاله وأخبرها بأنه يكلمهم بما يدل على براءة حالها، فلهذا أشارت إليه بالكلام، ثم يرد الإمام الرازي على من قال إنه نبي، ولكنه ما كان رسولا، لأنه في ذلك الوقت ما جاء بالشريعة، ومعنى كونه نبيّا أنه رفيع القدر على الدرجة، فيقول إن هذا ضعيف، لأن النبي في عرف الشرع هو الذي خصّه الله بالنبوة وبالرسالة، خصوصا إذا قرن إليه ذكر الشرع، وهو قوله وأوصاني بالصلاة والزكاة (3) .

وأما دليل نبوة المسيح في القرآن الكريم، فقوله تعالى: (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ، وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ) (4) وقوله

(1) محمود بن الشريف: الأديان في القرآن ص 157 ـ 158.

(2) تفسير النسفي 3/ 34.

(3) تفسير الفخر الرازي 21/ 214.

(4) سورة آل عمران: آية 48 ـ 49، وانظر: تفسير الطبري 3/ 273 ـ 275، تفسير الفخر الرازي 8/ 53 ـ 54، تفسير النسفي 1/ 158، تفسير ابن كثير 1/ 545 ـ 546، تفسير روح المعاني

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت