الصفحة 1214 من 1395

ويقول الألوسي (1) : استشكلت الآية بأنه لا يعلم أن أحدا من النصارى اتخذ مريم عليها السلام إلها، وأجيب عنه بأجوبة، الأول: أنهم لما جعلوا عيسى عليه الصلاة والسلام إلها، ألزمهم أن يجعلوا والدته أيضا كذلك لأن الولد من جنس من يلده فذكر «إلهين» على طريق الإلزام لهم، والثاني: أنهم لما عظموها تعظم الإله أطلق عليها اسم الإله (2) ، كما أطلق اسم الرب على الأحبار والرهبان في قوله تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللهِ) ، كما أنهم عظموهم تعظيم الرب، والثالث: أنه يحتمل أن يكون فيهم من قال بذلك (3) .

وأيا ما كان الأمر، فإن النصوص القرآنية ستظل أبد الدهر، بما تحمل من قول المسيح، أو اعترافه، إن جاز هذا التعبير، بأنه بشر يتبرأ من دعوى الألوهية، وينفي ما لصقه به المنحرفون والمخرفون من أتباعه وأشياعه، وبأن علمه محدود، وأجله محدود، وأنه عبد الله ورسوله، لا يبلغ إلا ما أمر الله مولاه أن يبلغه، وكذا بما تحمل من دلائل على جوهر المسيحية، الحقة، ونقائها، ستظل مسجلة على أهل التثليث غلوهم وكفرهم، ولعلهم، إن كانوا أتباع المسيح حقا، أن يثوبوا إلى عقيدته الحقة (4) ، وأن يؤمنوا بما بشر به، سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليه، فقد جاء في الحديث الشريف قوله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي أو نصراني، ولا يؤمن بي إلا دخل النار» (5) .

ومن عجب أن أناجيل النصارى إنما تشير إلى غير ما يزعمون، فهناك

(1) تفسير روح المعاني 7/ 65.

(2) انظر: تفسير الفخر الرازي 12/ 134.

(3) أنظر: ديتلف نلسن وآخرون: التاريخ العربي القديم ص 242 ـ 243.

(4) محمود بن الشريف: المرجع السابق ص 192.

(5) صحيح مسلم 1/ 367 (القاهرة 1971) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت