الصفحة 1295 من 1395

كيف أمكنها التسلل إلى نصوص التوراة ... لا تفسير إلا أن الأسطورة هنا مستقاة من أصول تداولها أقوام استوطنوا وقتا ما هضاب أرمينيا، تلك المنطقة الجبلية، حرية بأن تكون قد أورثتهم عبادة إله ما، بركاني الصفات والسمات، يطلقون عليه من بعد ـ إذ يستقر بهم المقام في أرض كنعان ـ تحريفا أو تبديلا، أسماء سامية أو قريبة في مخارجها على الأقل من اللغات السامية، مثل «أداد» و «شداي» . وإل وه ربما كان هو الاسم العتيق للإله «يهوه» إله القينيين منذ الأزل ... بل إن بعض الثقات يرجعون أسطورة الطوفان ـ كما في التوراة ـ إلى أصول «حورية» من الذين استقروا بأرض فلسطين في عصر إبراهيم (تك 14: 6) تعثر بنقوشهم متناثرة فيما بين تل الحريري (ماري القديمة) ورأس شمرا (أوجاريت) ، ولكن أقدمها، تلك التي في «بوغازكوي» عاصمة الحيثيين القديمة بقلب الأناضول، اشتملت على مقاطع من ملحمة جلجاميش، ولغتهم ـ أو لهجة متفرعة عنها ـ هي التي كانت سائدة في مملكة «أورارتو Urartu» ـ أرمينيا القديمة ـ إليها تنسب جبال «أرارات» أو «أراراط» كما في التوراة (1) ، ومع ذلك فإننا نميل إلى أن قصة الطوفان، كما جاءت في التوراة، إنما تعتمد في الدرجة الأولى على أساطير طوفانية ـ سومرية أو بابلية ـ من العراق القديم، الأمر الذي سوف نوضحه فيما بعد.

ولكن: لعل من الأفضل قبل ذلك، أن نشير إلى الدور الذي لعبه الخيال اليهودي في العصور المتأخرة بحكاية الطوفان ـ كما روتها التوراة ـ فأضافوا إليها تفاصيل جديدة تميل إلى المغالاة أحيانا، وإلى الزخارف الرخيصة أحيانا أخرى، وإلى تشويه القصة في غالب الأحايين، وكأن هؤلاء اليهود لم يكفهم ما فعله أسلاف لهم في عصور خلت من مسخ القصة الحقيقية ـ كما أنزلها الله على كليمه موسى عليه السلام ـ فخلطوا بينها وبين ما وجدوه في العراق القديم ـ على أيام السبي البابلي ـ من قصص عن طوفان يروي السومريون، والبابليون من بعدهم أنه أغرق أرضهم.

(1) حسين ذو الفقار: المرجع السابق ص 15، 16 وكذلك:

وفي الترجمة العربية للدكتور محمد عبد القادر ص 171، وكذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت