الصفحة 201 من 1395

وأيا ما كان الأمر، فيبدو أن الأساس المهم الذي قامت عليه مكانة الكعبة، أن البيت الحرام بجملته كان هو المقصود بالقداسة غير منظور إلى الأصنام والأوثان التي اشتمل عليها، وربما اشتمل على الوثن تقدسه بعض القبائل، وتزدريه قبائل أخرى، فلا يغض ذلك من مكانة «البيت» عند المعظمين والمزدرين، واختلفت الشعائر والدعاوى التي يدعيها كل فريق لصنمه ووثنه، ولم تختلف شعائر البيت كما يتولاها سدنته المقيمون إلى جواره والمكلفون بخدمته، فكانت قداسة البيت هي القداسة التي لا خلاف عليها بين أهل مكة وأهل البادية، وجاز عندهم ـ من ثم ـ أن يحكموا بالضلالة على أتباع صنم معلوم، ويعطوا البيت غاية حقه من الرعاية والتقدير (1) .

وعلى هذا كان يتفق في موسم الحج أن يجتمع حول البيت أناس من العرب، يأخذون بأشتات متفرقة من المجوسية واليهودية والمسيحية وعبادات الأمم المختلفة، ولا يجتمع منها دين واحد يؤمن به متعبدان على نحو واحد، وما من كلمة من كلمات الفرائض لم تعرف بين عرب الجاهلية بلفظها وجملة معناها كالصلاة والصوم والزكاة والطهارة، ومناطها كلها أنها حسنة عند رب البيت أو عند الله (2) .

وظلت خزاعة تتولى شئون الكعبة، حتى نجحت قريش آخر الأمر في أن تنتزع القيادة منها، وهنا يحلوا للأخباريين أن يقدموا لنا رواية غريبة وعجيبة في نفس الوقت، فيرون أن الاسكندر المقدوني خرج من السودان متجها نحو اليمن، وهناك قابله «تبع الأقرن» ملك اليمن، وقدم له الولاء والخضوع، وبعد أن أقام الاسكندر في صنعاء شهرا، اتجه إلى تهامه، وفي

(1) العقاد: مطلع الثور ص 115

(2) نفس المرجع السابق ص 116

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت