الصفحة 26 من 1395

والقراءة والفرائض في عهد عمر وعثمان وعلي (1) .

وبدهي أن عملية جمع القرآن لم يقم بها زيد بن ثابت وحده، وإنما عاونه فيها الحفظة الكرام من صحابة النبي الاعلام، وأن زيدا سلك في سبيل الجمع الخطة المثلى، فما كان ليعتمد على حفظه ـ وإنه لحافظ ـ ولا على حفظ من استعان بهم ـ وانهم لحفاظ أمناء ـ ولكنه كان لا بد أن يعتمد على أمر مادي، يرى بالحس ولا يحفظ بالقلب وحده، فكان لا بد أن يرى ما حفظه مكتوبا في عصر النبي، (صلى الله عليه وسلم) وأن يشهد شاهدان بأنهما هكذا رأوا ذلك المكتوب في عصر النبي، وبإملائه عليه الصلاة والسلام، وقد تتبع القرآن بذلك آية آية، لا يكتب إلا ما رآه مكتوبا عن النبي، (صلى الله عليه وسلم) ، في عهده، ويشهد شاهدان أنهما رأيا ذلك المكتوب في عهد النبي ونقلاه، أو يرى ذلك المكتوب عند اثنين، فهو شهادة كاملة منهما (2) ، ويروي ابن أبي داود ـ من طريق هشام بن عروة عن أبيه ـ أن أبا بكر قال لعمر وزيد: «أقعدا على باب المسجد، فمن جاء كما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه» (3) .

وهكذا يمكننا القول أن زيدا اتبع طريقة في الجمع نستطيع أن نقول عنها في غير تردد، أنها طريقة فذة في تاريخ الصناعة العقلية الإنسانية، وأنها طريقة التحقيق العلمي المألوف في العصر الحديث، وأن الصحابي الجليل قد اتبع هذه الطريقة بدقة دونها كل دقة، وأن هذه الدقة في جمع القرآن، متصلة بايمان زيد بالله، فالقرآن كلام الله جل شأنه، فكل تهاون في أمره أو إغفال للدقة في جمعه وزر ما كان أحرص زيدا ـ في حسن إسلامه وجميل صحبته لرسول الله ـ أن يتنزه عنه، ولقد شهد المنصفون من

(1) احمد أمين: فجر الاسلام ص 175، مقدمتان في علوم القرآن ص 50 ـ 51

(2) محمد أبو زهرة: القرآن ص 31 ـ 32، الاتقان في علوم القرآن 1/ 60

(3) عبد الصبور شاهين: تاريخ القرآن ص 106، الاتقان 1/ 60

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت