الصفحة 922 من 1395

ظهر أنهما جاءا من خصومة ليحكم بينهما فيها، استغفر ربه من هذا الظن وخر ساجدا منيبا إلى الله تعالى، فغفر الله له ذلك الظن، لأنه ما كان ينبغي من مثله وكما هو معلوم حسنات الأبرار سيئات المقربين، وربما كان استغفاره لأن انقطاعه للعبادة يوما كاملا عن أمته، واختلاءه بنفسه ذلك اليوم كله، يؤدي حتما تركه النظر في ذلك اليوم في أمر رعيته وأمته التي استودعه لله عزوجل رعاية مصالحها، فجاءه مثال من حاجتها إليه في كل وقت ليقوم بإصلاح ذات بينها، وإقرار التراحم والتآخي بين أفرادها حتى يكونوا على هدى من ربهم، كما يدل على ذلك قول الخصمين له «واهدنا إلى سواء الصراط» ثم بيّن الله تعالى لداود عليه السلام مهمته في هذه الحياة الدنيا، باعتباره ملكا على بني إسرائيل، ونبيّا مرسلا، إذ الملك يقتضي خلافته لله تعالى في الأرض بالنظر في مصالح رعيته والحكم بينهم بالعدل، وفصل قضاياهم بما يرفع الظلم والبغي عن ضعفائهم، إذا حاوله كبراؤهم وأقوياؤهم (1) ، وذلك لا يتم على الوجه المطلوب إلا إذا وضع نفسه قريبا منهم في كل آن، قال تعالى: (يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ، إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ) (2) ، فأخبره أنه جعله خليفة في الأرض وأمره بالحكم بين الناس والفصل في قضاياهم بالحق، والنبوة تعود الملك وتحرسه عن أن تندبه مطالب الدنيا عن سبيل الحق والعدل، وتسلك به مسالك الطهر والتزام الهدى (3) .

على أن رواية أخرى تذهب إلى أن الخطأ الذي وقع من داود أنه سمع

(1) جاء في بعض الآثار «السلطان ظل الله في أرضه» ، وقال الخليفة عثمان بن عفان: «إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن» البداية والنهاية: 2/ 10.

(2) سورة ص آية: 26.

(3) عويد المطرفي المرجع السابق ص: 53 ـ 54.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت