فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 1078

والصواب قول البصريّين: إنها «أن» الناصبة أهملت حملا على «ما» أختها المصدريّة، وليس من ذلك قوله [من الطويل] :

36 ـ ولا تدفننّي في الفلاة، فإنّني ... أخاف إذا ما متّ أن لا أذوقها

كما زعم بعضهم، لأن الخوف هنا يقين، فـ «أن» مخففة من الثقيلة.

(عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى) [المزمل: 20] أو بحرف نفي نحو (أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا) [طه: 89] وهذا على الغالب وقد تتصل بالفعل المتصرف الخبري غير مقترنة بشيء من ذلك كقوله:

علموا أن يؤملون فجادوا ... قبل أن يسألوا بأعظم سؤل (1)

وما خرج عليه الكوفيون ذلك البيت من هذا القبيل (والصواب قول البصريين إنها أن الناصبة أعملت حملا على أختها ما المصدرية) بدليل أن الشاعر أعمل أولا حيث قال: أن تحملا، وثانيا حيث قال: وتصنعا، ورابعا حيث قال وأن لا تخبرا، فيحمل قوله ثالثا أن تقرآن على أن هذه هي تلك، ولكنه أهملها لما ذكر (وليس من ذلك) أي من إهمال أن الناصبة (قوله) أي قول أبي محجن الثقفي بكسر الميم وإسكان الحاء المهملة وفتح الجيم:

(إذا مت فادفني إلى جنب كرمة ... تروي عظامي بعد موتي عروقها(2) ...

ولا تدفنني في الفلاة فإنني ... أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها

كما زعم بعضهم؛ لأن الخوف هنا يقين وأن مخففة من الثقيلة) لا الناصبة أهملت، وقد يقال: لا يلزم من تيقن العقلاء أنه لا يذوقها بعد الموت حمل الخوف على اليقين عند هذا الشاعر، لأن اشتهاره بشربها ومغالاته في محبتها أمر مشهور، وله في ذلك حكايات معروفة، فلعل ذلك حمله على أن يخاف ولم يقطع بما يتيقنه غيره، ولذلك أمر بدفنه إلى جانب الكرمة رجاء أن ينال منها بعد الموت، ومن ثم قيل إن هذا أحمق بيت قالته العرب.

ويحكى أن معاوية رضي الله تعالى عنه، قال لولد أبي محجن هذا أبوك الذي يقول: إذا مت فادفني البيتين، فقال: أبي الذي يقول:

(1) البيت من البحر الخفيف، وهو بلا نسبة في أوضح المسالك 1/ 372، وتخليص الشواهد ص 383.

(2) الأبيات من البحر الطويل، وهي لأبي محجن الثقفي في ديوانه ص 48، والأغاني بلفظ (تروي شاشي) 18/ 384.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت