فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 1078

ومن دعوى كثرة الحذف؛ إذ التقدير عند من جعلها للاستفهام: أمن هو قانت خير أم هذا الكافر، أي المخاطب بقوله تعالى: (قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا) [الزمر: 8] فحذف شيئان: معادل الهمزة والخبر؛

والجهل على الله سبحانه وتعالى مستحيل، قال الشيخ بهاء الدين السبكي في «شرح التلخيص» : (لا شك أن الاستفهام طلب الفهم ولكن هل هو طلب فهم المستفهم، أو وقوع فهم من لم يفهم كائنا من كان، فإذا قال من يعلم قيام زيد لعمرو بحضور بكر الذي لا يعلم قيامه: هل قام زيد، فقد طلب من المخاطب الفهم، أعني فهم بكر، وإذا كان كذلك فلا بدع في صدور الاستفهام ممن يعلم المستفهم عنه، ولا مانع حينئذ من جعل الاستفهامات الواردة في القرآن على حقيقتها، بناء على أن طلب الفهم مصروف إلى غير المستفهم كما في قوله تعالى:(أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي) [المائدة: 116] فهو استفهام حقيقي، طلب به إقرار عيسى عليه السلام في ذلك المشهد العظيم بأنه لم يقل ذلك؛ ليحصل فهم النصارى ذلك، فيتقرر عندهم كذبهم فيما ادعوه)، هذا كلامه.

قلت: «ومنه سؤال جبريل النبي عليه الصلاة والسّلام عن الإيمان والإسلام والإحسان حيث قال: ما الإيمان؟ قال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وتؤمن بالبعث، قال: ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، وفي آخر الحديث: ثم أدبر فقال: ردوه فلم يروا شيئا فقال: هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم» (1) ، فقد استفهم جبريل النبي صلى الله عليه وسلم؛ ليجيب بما أجاب فيفهم الحاضرون ويتعلموا دينهم، ولم يكن غرضه طلب فهم نفسه، بل فهم غيره ممن يستمع الجواب، وهو على هذا استفهام حقيقي.

(و) الثاني سلامته (من دعوى كثرة الحذف، إذ التقدير عند من جعلها للاستفهام: أمن هو قانت خير أم هذا الكافر، أي المخاطب بقوله) أي بمكحي قوله: (قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا) [الزمر: 8] ولو جعل القانت غير القانت، كافرا كان أو عاصيا لكان حسنا فإنه ذكر أولا مقابل القانت باعتبار القسمين أما الكافر فصريحا، وأما غير المخلص فتلويحا.

(فحذف شيئان معادل الهمزة) وهو أم (والخبر) وهو خير، بل ثلاثة أشياء، هذان الأمران ومعادل مدخول الهمزة، وهو ما دخلت عليه أم، وهذا أليق بتقرير كثرة الحذف، وكلام المصنف هذا صريح في أن أم المقدرة متصلة، وأن الاستفهام هنا ليس على حقيقته ولا يكون للإنكار وسيأتي الكلام فيه.

(1) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي عن الإيمان والإسلام والإحسان (50) ، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان (8) ، والترمذي، كتاب الإيمان عن رسول الله، باب ما جاء في وصف جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم الإيمان والإسلام (2610) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت