فهرس الكتاب
نفى ظرفيّتها بوقوعها صلة، قالوا: «جاء الذي سواك» ؛ وأجيب بأنه على تقدير «سوى» خبرا لـ «هو» محذوفا أو حالا لـ «ثبت» مضمرا كما قالوا: «لا أفعله ما أنّ حراء مكانه» ؛ ولا يمنع الخبريّة قولهم: «سواءك» بالمد والفتح، لجواز أن يقال: إنها بنيت لإضافتها إلى المبنيّ كما في «غير» .
قال ابن مالك: وقد صرح سيبويه أيضا أنها بمعنى غير، وذلك مستلزم لنفي الظرفية كما هي منتفية عن غير، فإن الظروف في العرف ما ضمن معنى في أسماء الزمان والمكان وليس سوى ذلك فلا يصح كونه ظرفا، ولو سلم أنه ظرف فلا نسلم لزومه الظرفية، وكيف والشواهد قائمة على خلافه نظما ونثرا، وأكثر من الإتيان بشواهد ذلك ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: «سألت الله تعالى أن لا يسلط على أمتى عدوا من سوى أنفسهم» (1) وقول بعض العرب: أتاني سواك حكاه الفراء (وعند الكوفيين وجماعة أنها ترد بالوجهين) فتارة ترد ظرفا، كما قاله سيبويه والجمهور وترد أخرى كغير ما قاله الزجاجي وابن مالك فهي إذن ثلاثة أقوال (ورد على من نفى ظرفيتها بوقوعها صلة، قالوا: جاء الذي سواك) كما تقول جاء الذي مكانك (وأجيب بتقدير سوى خبرا لهو محذوفا) والتقدير: جاء الذي هو سواك أي: غيرك، لكن هذا التخريج شاذ لأن فيه حذف عائد غير أي مع انتفاء طول الصلة (أو حالا) معمولة (لثبت مضمرا) وذو الحال الضمير العائد على الموصول، وهو فاعل ثبت أي: جاءني الذي ثبت حالة كونه سواك أي: غيرك (كما قالوا: لا أفعله ما أن حراء مكانه) أي ما ثبت أن حرا مكانه، فالتشبيه في حذف ثبت لكنه في الأول حذف هو ومرفوعه، وفي الثاني حذف دون مرفوعه ولما كان على الجواب الأول سواك تقريره: أن يقال سمع في قولهم جاءني الذي سواك المد، وفتح الهمزة ولو كان سواء خبرا لهو لامتنع النصب؛ إذ هو غير ظرف بالفرض فلا وجه لنصبه أجاب عنه المصنف بقوله: (ولا يمنع الخبرية قولهم) في المثال المذكور جاءني الذي (سواك بالفتح والمد، لجواز أن يقال: إنها بنيت لإضافتها إلى المبني كما في غير) حيث قال الشاعر:
لذ بقيس حيث يأبى غيره ... تلفه بحرا مفيضا خبره (2)
بفتح غير على أنه مبني لإضافته إلى الضمير وهو فاعل بالفعل المذكور.
(1) أخرج نحوه مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض (2889) ، والترمذي، كتاب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في سؤال النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثا في أمته (2176) ، وأبو داود، كتاب الفتن والملاحم، باب ذكر الفتن ودلائلها (4252) .
(2) البيت من البحر الرمل، وهو بلا نسبة في خزانة الأدب 4/ 307. ا ه. انظر: المعجم المفصل في شواهد اللغة العربية 3/ 161.