فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 1078

لأن الهمزة لم تدخل عليه، ولأنه عليه الصلاة والسّلام قد أجابهم بالفاعل بقوله: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا) [الأنبياء: 63] .

فإن قلت: ما وجه حمل الزمخشريّ الهمزة في قوله تعالى: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [البقرة: 106] على التقرير؟

قلت: قد أعتذر عنه بأنّ مراده التقرير بما بعد النفي، لا التّقرير بالنفي،

إبراهيم صلى الله عليه وسلم على الإقرار بأن كسر الأصنام قد كان (لأن الهمزة لم تدخل عليه) أي: على الفعل فلا يكون للاستفهام عنه ولا للتقرير به ضرورة أنها لو كانت كذلك لوجب إيلاء الفعل لها ولم يول. (ولأنه عليه السلام قد أجابهم بالفاعل بقوله: بل فعله كبيرهم هذا) يعني: أنه لو كان الاستفهام عن الفعل أو للتقرير به لكان الجواب قد وقع الكسر أو لم يقع فلما قال: فعله كبيرهم هذا دل على أن المراد التقرير بالفاعل، وعن الكسائي أنه يقف على فعله، والفاعل محذوف وهو يجوزه أي: فعله من فعله وكبيرهم هذا مبتدأ وخبر وهذا خروج عما يقتضيه السياق، وكأنه ارتكبه فرارا مما يلزم من إخبار الصادق بخلاف الواقع، إذ الكبير لم يفعل الكسر قطعا، وجوابه كما قال الزمخشري: أنه نسب الفعل إلى كبيرهم وقصده تقريره لنفسه وإثباته لها على وجه تقريعي تبكيتا لهم وإلزاما للحجة عليهم، لأنهم إذا نظروا النظر الصحيح علموا عجز كبيرهم وأنه لا يصلح إلها وهذا كما يقول لك صاحبك وقد كتبت كتابا بخط رشيق أنيق: أأنت كتبت هذا؟ فتقول: بل كتبته أنت وقصدك بهذا الجواب تقريره لك، مع الاستهزاء به لا نفيه عنك وإثباته للأمي، لأن إثباته للعاجز منكما والأمر دائر بينكما استهزاء به، وإثباته للقادر، ويمكن أن يقال: غاظته تلك الأصنام حين أبصرها مصطفة وكان غيظ كبيرها أشد لما رأى من زيادة تعظيمهم له فأسند الفعل إليه؛ لأن الفعل كما يسند إلى مباشره يسند إلى الحامل عليه، ويجوز أن يكون حكاية لما يعود إلى تجويزه مذهبهم كأنه قال لهم: مما تنكرون أن يفعله كبيرهم فإن من حق من يعبد ويدعى إلها أن يقدر على هذا (فإن قلت: ما وجه حمل الزمخشري الهمزة في قوله تعالى:(أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [البقرة: 106] على التقرير قلت: قد اعتذر) بالبناء للمفعول (عنه) أي: عن الزمخشري (بأن مراده التقرير بما بعد النفي لا التقرير بالنفي) وقد أجاز قوم أن تكون الهمزة في قوله تعالى: (أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ) [الزمر: 36] للإنكار الإبطالي كما تقدم وأن تكون للتقرير أي: لحمل المخاطب على الإقرار بما دخله النفي، وهو الله كاف عبده لا بالنفي وهو ليس الله، وكذا قوله تعالى: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) (1) [الشرح: 1] (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا) [الضحى: 6] وما أشبه ذلك فقد يقال: إن الهمزة فيه للإنكار وقد يقال: إنها للتقرير وكلاهما حسن، فعلم أن التقرير لا يجب أن يكون بالحكم الذي دخلت عليه الهمزة، بل بما يعرفه المخاطب من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت