فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 392

[قلت] : جاءت (إنّ) و (ثمّ) على الأصل من البناء، لأن أصل الحروف، البناء. وحرك لالتقاء الساكنين. ولم يقل: (أن) و (ثم) لأن الكسرة مع الكسرة. والضمة مع الكسرة ثقيلان، والفتح أولى منهما.

[قال أبو الفتح] : والكسر يكون في الاسم، نحو: هؤلاء، وأمس.

[قلت] : إنما بني (أمس) لتضمنه معنى (لام التعريف) وذلك أن (أمس) معرفة، وليس فيه حرف التعريف، ولا هو مبهم، ولا مضمر، ولا إشارة، ولا مضاف، ولا علم، فتضمن (اللام) فوجب له البناء، وحرك لالتقاء الساكنين، وكسر لأن الكسر أصل في هذا الباب بعد السكون. [فإن قلت] :

فما تقول في (الأمس) إذا دخلت عليه لام التعريف أهو مبني أم معرب؟

[الجواب] : العرب في هذا على مذهبين: الإعراب، والبناء. أما الإعراب، فلأنه اسم، وليس متضمنا لمعنى حرف. وأما البناء، فإن هذا اللام الذي ظهر فيه، لم يفد شيئا، حين كان الاسم متضمنا له. ألا ترى أنه لا فرق بين قول القائل: أمس، والأمس كما هو حاصل في قوله: رجل، والرجل. ألا ترى أن (أمس) معرفة، كما أن (الأمس) معرفة. فالألف، واللام في الأمس على هذا، كالألف، واللام في: الذي والآن، والوليد بن اليزيد (1) ، وبنات الأوبر، في [8 / أ] قول الشاعر:

6 ـ ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا ... ولقد نهيتك عن بنات الأوبر (2)

[فإن قلت] : ولم كان الكسر الأصل بعد السكون؟ [قلت] : إن الكسر أقل تصرفا من الضم والفتح. ألا ترى أن: باب ما لا ينصرف، وباب الأفعال، قد منعا من الكسر، فكان هو الأولى بعد السكون، لقلة تصرفه.

وأما (هؤلاء) فإن الكلام فيه أنه مبني. وقال أبو سعيد (3) : إنما بني، لأنه تضمن معنى الإشارة (4) ، والإشارة معنى يستفاد من الحروف، لأن الحروف هي الموضوعة لمثل هذه المعاني.

فهو اسم تضمن معنى الحرف، فيجب له البناء. ولو قيل له: إن الذي زعمت، إنما يتصور

(1) الوليد بن يزيد بن عبد الملك، ولد (88 ه‍) . ولي الخلافة الأموية (125 ه‍) ، وقتل سنة (126 ه‍) .

ينظر: تاريخ الطبري 6: 434، 7: 209، والعقد الفريد 4: 452.

(2) البيت من الكامل. أنشده ابن منظور في اللسان (وب ر) 5: 271، وأسند روايته للأحمر، والأصمعي، ولم ينسبه إلى قائل معين. وهو بلا نسبة في: الإنصاف 1: 319، والمغني 1: 52، وأوضح المسالك 293، وابن عقيل 1: 181.

جنيتك أي: جنيت لك، على حد قوله تعالى: (وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ) 83: سورة المطففين 3، أي: كالوا لهم أو وزنوا لهم، والأكمؤ، والعساقل: ضربان من الكمأة. وبنات الأوبر: علم على ضرب آخر من الكمأة، اللسان (وب ر) 5: 271.

(3) هو: الحسن بن عبد الله، السيرافي، النحوي (ت 368 ه‍) . قرأ على ابن مجاهد (القرآن) ، وقرأ على أبي بكر بن دريد (اللغة، والنحو) ، وقرأ على أبي بكر بن السراج، وأبي بكر مبرمان (النحو) . من أشهر تصانيفه: (شرح كتاب سيبويه) . كان عالما فاضلا، معدوم النظير في علم النحو خاصة. ينظر: طبقات النحويين واللغويين 119، ونزهة الألباء 327 ـ 329، والبلغة 61.

(4) الكتاب: 792، وفيه: (هؤلاء بمنزلة هذا، وأولئك بمنزلة ذاك) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت