فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 746

ملايين مسلمون، والباقي من مذاهب شتى من الديانة المسيحية وغيرها والدولة على المذهب الأرتيدوكس، وهي وإن لم تجبر غير أهل ذلك المذهب على تبديل ديانتهم أو مذهبهم، غير أنها تمنعهم من حرية المذهب وإشهار تعاليمه، بل تجبرهم على تعليم أبنائهم في مكاتبها وتجبرهم أيضا على ترك لغاتهم، ولا يخفى أن أهل مملكة مثل تلك في الإتساع وكثرة الأجناس لا بد أن يكون لهم لغات شتى، حتى قيل إن اللغات الأصلية فيهم تتجاوز الخمس عشرة لغة.

وهاته الدولة تكونت على الصفة المار ذكرها في مدّة قليلة، فإن هاته المملكة كانت قديما لا يعرف منها إلا أهل الجنوب بإسم قبائل إلى القرن الثالث المسيحي، فتألفت في روسية وأوروبا سلطنة عظيمة من أمة الغوت، ثم تلاشت بالحروب الأهلية وبهجمات الأمم الشرقية على أوروبا وتمادت على ذلك، إلى أن استولى على أغلبها التتر في مدّة «باتوخان ابن جنكز خان» ، ثم ابتدأ تأسيس المملكة سنة 1481 م ـ 886 ه‍على يد إيغان الملقب بالأمير الكبير، وخضعت له ولذريته القبائل المتكونة منها روسية الأصلية ثم انقطعت عائلته. وحدث في المملكة تقهقر أشرف بها على الإضمحلال، إلى أن تولاها «ميشال رومانوف» (1) . وهو الذي أسس الدولة الموجودة الآن وذلك سنة 1613 م ـ 1032 ه‍.

فأخذت في الراحة الأهلية وضم ما كان خرج عنها إلى أن تولاها بطرس الأكبر محيي تلك الدولة فهو الذي أسس إسمها بين الدول المعتبرة واجتهد في ترقيتها، وكان مع مزيد اعتنائه بالسياسة ومباشرتها بنفسه تحمل أتعاب السفر الشاق في ذلك الوقت لتعلم الصنائع بنفسه حثا لأمّته على الإقتداء به، وبقي مدّة في ترسخانة هلاندة لتعلم صناعة النجارة حتى أتقن تعلمها وجلب للمملكة معلمين من عدّة صنائع، وأخذت من ذلك الوقت في الترقي والإتساع مع خرمه هو ومن خلفه، ومهارتهم في الفنون الحربية والمكايد السياسية إلى أن بلغت الآن إلى ما هي عليه من مزيد القوة والإتساع، ولو أنها كانت في المعارف والحرية مثل بقية ممالك أوروبا لما كادت أن تسلم منها دولة، بيد أن بقاءها على أصول الإستبداد أوجب فيها قلة الثروة والمعارف، فلم تقدر على إنجاز كل ما تضمره وإن كان القيصر الموجود الآن وهو الإسكندر الثاني قد حرر الفلاحين من تملك الأعيان لهم، حيث كان سابقا إن قسم الأعيان من المملكة من ملك منهم أرضا يملكها بمن فيها من البشر ويستعملهم استعمال العبيد بحيث يتصرف فيهم تصرفه في المتاع، كما كانت تلك العادة جارية في أوروبا حتى أن الفلاح إذا أراد التزوّج بعد الإذن له من سيده، يأتي بعروسه ليلة عرسه إلى سيده ولا يمكن له أن يدخل بها قبل أن يبارك له عليها سيده، وإن أراد الإختلاء بها فله حق ذلك وقس على ذلك من أنواع الشناعة ما شئت، ففي سنة 1867 م ـ 1284

(1) آل رومانوف: Romanov هي الأسرة المالكة في روسيا من (613 ـ 1917) أولهم القيصر ميخائيل وآخرهم القيصر نيقولا الثاني. المنجد (314) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت