فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 746

المقدمة

الباب الأول

في السفر من حيث هو

الفصل الأول

فيما جاء في ذلك من الكتاب العزيز

إعلم أن الله تعالى قد أمر في كتابه العزيز بالسير في الأرض للإعتبار والإستدلال على وجوده ووحدانيته، فقال تعالى: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ) في آيات من الكتاب المجيد في [الأنعام: 11 ـ والنمل 69 ـ والعنكبوت 20 ـ والروم 42] ، وفي بعضها قال: (ثُمَّ انْظُرُوا) [الأنعام: 11] وفي أخر قال: (فَانْظُروا) [النمل: 69 ـ العنكبوت 20 ـ والروم 42] . فكان العطف تارة بالفاء وتارة بثم إشارة إلى أن النظر والإعتبار كما يلزم في حالة السير يلزم بعده حتى لا يكون الزمن والعمل خاليا عن فائدة صحيحة في نظر الشرع فأوّلا: يحصل النظر الإجمالي في حالة السير ثم يحصل النظر التفصيلي بالاعتبار عند الإنفصال منه حتى يستقرّ في النفس بغاية التروّي. ولا يخفى أن القاعدة الأصولية عندنا هي أن الأمر للوجوب، وهو حقيقته ولا يصرف إلى غيره إلا عند القرينة الصارفة، وقد اشتملت الآيات المذكورة على أمرين وهما: الأمر بالسير والأمر بالنظر. فكلاهما واجب غير أن الأول واجب لكونه وسيلة للثاني، والثاني: واجب مقصود لذاته وإفادة ترتبه على سابقه تحصل بكل من الفاء وثم بيد أنه تحصل بكل واحدة فائدة خاصة، فالفاء تفيد ترتب النظر على السير بغير مهملة، وثم تفيد ترتبه عليه بعده حتى يكمل رسوخه، وبهذا تبين الوجه في العطف بهما ولا نحتاج إلى أن الإتيان بثم لإفادة التفاوت بين مراتب الواجبين، حيث أن أحدهما مقصود لذاته والآخر مقصود لكونه وسيلة كما ذهب إليه أبو السعود (1) والقونوي (2) لأنّ هذا لا يكون فائدة يستدعيها المقام بخلاف ما ذكرناه.

(1) هو محمد بن محمد بن مصطفى العمادي المولى أبو السعود (898 ـ 982 ه‍) مفسر من علماء الترك المستعربين. الأعلام 7/ 59 شذرات الذهب 8/ 398.

(2) القونوي: لقب لجماعة من فقهاء الحنفية: انظر الأعلام 7/ 30 و 153 و 162.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت