فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 746

الفرنسيس والهلانديون وغيرهم من الدول الأوروباوية، فإن لكل من هاته الدول مستعمرات في هاته القارة في شطوط الهند وفي شرقيه وجزره، وتجري فيهم أحكام الدول المتغلبين لكنها ليست كأحكام ممالكهم وإنما هي أحكام إستبدادية عسكرية بمراعاة العوائد للأهالي، ولما كانت هاته المستعمرات لا تبلغ إلى مستعمرات الإنكليز لم نذكرها على حدتها مثل ما ذكرنا الهند الإنكليزية، ولله ميراث السموات والأرض.

القسم الثاني من الأرض

هو قارة أوروبا، هاته القارة يحيط بها البحر من جميع جهاتها إلا الجهة الشرقية فتتصل بقارة آسيا المار ذكرها، والحدّ بينهما هو جبال أرال ونهر دون الذي مصبه في البحر الأسود، ثم يحدّها جنوبا البحر الأسود وبحر مرمرا والبحر الأبيض وبغاز طارق، وغربا المحيط الغربي والمانش، وشمالا المحيط الشمالي والمنش والبلتيك والمتجمد القطبي، وهاته القارة الآن رمقها السعد بألحاظه وحط لديها ركابه فكما تسعد أفراد الإنسان وتنحس كذلك بقاع الأرض حاشا البقاع المكرّمة بالأنوار الإلهية، وإنما نعني البخت الدنيوي. فإن هاته القارة كانت قد لبثت مدّة وهي في الحضيض الأسفل ما بين خلاء وخراب ودثار وتوحش فيما سلف من العصور، إلى أن حدثت فيها دولة الرومان واليونان وتشعشعت فيها المعارف وارتقى فيها التمدّن والصنائع، لكنها لم تلبث أن عادت كما كانت عليه من التوحش والبربرية لاقتصار تلك المبادئ الحسنة على أفراد وإن كانوا كثيرين في مراكز مخصوصة، وانحصار السلطة القهرية في تلك المراكز فزال التقدم بتقهقر تلك السلطة، غير أنها حدث فيها تمدن آخر في مدّة الإمبراطور شارلمان (1) المعاصر للخليفة هارون الرشيد الذي أكب على المعارف وملازمة أهلها، وبث منها في ممالكه ما وسعه الإمكان، غير أنها تقهقرت بعده أيضا وشرع فيها تمدّن منذ خمسمائة سنة على خلاف المعهود سابقا، وامتد فيها تدريجا إلى أن بلغت في هذا العصر إلى الدرجة القصوى من التهذيب والتمدّن والمعارف الدنيوية، حتى صار لأهلها الوجاهة والنفوذ على جميع أقسام الأرض ودونك أنموذجا لأخبار ذلك الترقي، وحاصله:

إن أهالي أوروبا استفادوا من العلوم التي باللسان اللاتيني واليوناني اللذين تحفظت عليهما الكنيسة، وكان أهلها في مدّة الجهل العام يبذلون أقصى الجهد في التحفظ على تعلم ذينك اللسانين وترقي تلامذتهم في العلوم الموروثة من الرومان واليونان، كما استفادوا من الأمّة العربية في المغرب بمجاورتها في الأندلس، فأخذوا عنها العلوم الرياضية وتهذيب الأخلاق والجغرافيا التي علمتها المسلمون بالأسفار للحج من الأقطار القاصية والفتوحات

(1) هو شارل الأول الكبير (742 ـ 814) ملك الإفرنج وإمبراطور الغرب، مؤسس السلالة الكارولية، جعل أكس لا شابل (آخن) عاصمة له، حاول الإستيلاء على اسبانيا ففشل في سرقسطة سنة (778) المنجد (381) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت