فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 154

ومنهم من يغشى عليه، فيرفع في الأذرع إليه. فشاهدنا هو لا يملأ النفوس انابة وندامة، ويذكرها هول يوم القيامة. فلو لم نركب ثبج البحر، ونعتسف مفازات القفر، الا لمشاهدة مجلس من مجالس هذا الرجل، لكانت الصفقة الرابحة، والوجهة المفلحة الناجحة. والحمد لله على أن منّ بلقاء من يشهد الجمادات بفضله، ويضيق الوجود عن مثله. وفي أثناء مجلسه ذلك يبتدرون المسائل، وتطير اليه الرقاع، فيجاوب أسرع من طرفة عين. وربما كان أكثر مجلسه الرائق من نتائج تلك المسائل، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء لا إله سواه.

ثم شاهدنا مجلسا ثانيا له بكرة يوم الخميس الحادي عشر لصفر بباب بدر في ساحة قصور الخليفة، ومناظره مشرفة عليه. وهذا الموضع المذكور وهو من حرم الخليفة، وخصّ بالوصول اليه، والتكلم فيه، ليسمعه من تلك المناظر الخليفة ووالدته ومن حضر من الحرم. ويفتح الباب للعامة فيدخلون إلى ذلك الموضع، وقد بسط بالحصر. وجلوسه بهذا الموضع كل يوم خميس. فبكرنا لمشاهدته بهذا المجلس المذكور، وقعدنا إلى أن وصل هذا الحبر المتكلم، فصعد المنبر وارخى طيلسانه عن رأسه تواضعا لحرمة المكان، وقد تسطر القراء أمامه على كراسي موضوعة، فابتدروا القراءة على الترتيب وشوقوا ما شاؤوا. واطربوا ما أرادوا، وبادرت العيون بارسال الدموع. فلما فرغوا من القراءة وقد أحصينا لهم تسع آيات من سور مختلفات، صدع بخطبته الزهراء الغراء، وأتى بأوائل الآيات في أثنائها منتظمات، ومشي الخطبة على فقرة آخر آية منها في الترتيب إلى أن أكملها، وكانت الآية (اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ) فتمادى على هذا السيّن، وحسّن أي تحسين، فكان يومه في ذلك أعجب من أمسه. ثم أخذ في الثناء على الخليفة، والدعاء له ولوالدته، وكنى عنها بالستر الاشرف، والجناب الارأف. ثم سلك سبيله في الوعظ. كل ذلك بديهة لا روية، ويصل كلامه في ذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت