فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 407

أهلها واستباح حريمها وغصب أموالها فسئمه الناس، وكرهوا وتمنوا زواله وهلاكه، فعاش مملكته مائة وعشرين سنة. فركب يوما لحاجة فألقته فرسه في وهدة فهلك، واستراح الناس منه، ودفن في الهرم، وتولى بعده ولده الريان.

الريان بن الوليد وتقليده الملك:

فجلس الريان على سرير ملكه وكان عظيم الخلق جميل الوجه عاقلا متمكنا، فجمع الناس فأحسن إليهم، وأنزلهم منازلهم وأكرم كبراءهم، ووهب أغنياءهم، وواسى فقراءهم وحط عنهم الخراج ثلاث سنين، ففرحوا به، ودعوا له، وشكروه وأثنوا عليه.

ثم أمر بفتح الخزائن فنقد ما فيها من الخاص والعام من أرباب المملكة، وأمرهم بالعمائر من سد الجسور، وجري المياه، وعقد القناطر، وحفر الترع وإصلاح البلدان، وتقوية الفلاحين والمزارعين ومشايخ العربان، وغير ذلك مما هو سبب لبقاء مملكته وحفظ رعيته.

ثم الريان اختلى بنفسه وقد تمكن أريحية الصبا فملك على البلدان رجلا من أهل بيته اسمه العزيز، وكان من أولاد الوزراء ذا عقل ودهاء. غير أنه / قد أخطأ الرأي بميله مع هواه (1) وكثرة نزاهته، وانعكافه على تهتكاته ومع ذلك كان عادلا قائما بمصالح الرعية مجتهدا في العمائر وتمهيدها، فأمر العزيز أن ينصب له في قصره سريرا من الفضة برسم الجلوس، وأشار لأرباب مملكته، ووجوه دولته أن يجتمعوا صباح كل يوم بين يديه فيشاورهم في أمر يفعله أو حال يحدثه.

وأما الريان ابن الوليد، فلا يلتفت إلى شيء من أمر مملكته، وقد فوض أمره في ذلك للعزيز، وهو مقبل [على] (2) ما هو عليه من بهته ولهوه وانغماسه في لذاته ولعبه، فلا يظهر لأحد ولا يخاطب أحدا. فأقاموا على ذلك حينا والبلد في أمان والناس في عافية، ويقال: [أن] (2) الخراج قد بلغ وقته وأيام العزيز ستة وتسعين ألف ألف مثقال جعلها العزيز أقساما فما كان له ولنسائه حمل إليه، وما كان في أرزاق الحكماء والكهنة والفلاسفة وأصحاب الصنايع ومصالح البلد صرف إليهم.

ثم أن الريان أمر العزيز أن يهيئ له أماكن المفترجات والمنتزهات، ويولد له فيها من العجائب والغرائب ما لم يسبق إليه. فعمل له مجالس الزجاج الملون وأخرى حولها الماء، وأرسل فيه الشيمك المقرط والبلور الملون، فكان إذا وقعت عليه الشمس أرسل شعاعا عجيبا يبهر العيون وعمل له متنزهات على عدد أيام السنة فكان كل يوم في موضع

(1) في المخطوط: هوايه، وهو تحريف.

(2) ما بين المعقوفين يقتضيه السياق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت