فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 119

بسم الله الرّحمن الرّحيم

صلّى الله على محمد

أمتعني الله ببقائك، وحسن الدفاع عن حوبائك، ووفّقك في دينك ورأيك، وجعلك لكل خير سببا، ورزقك إليه مذهبا.

إن اختلاف همم النفوس بحسب اختلافها في الفضل، ومناسبتها للعلم على قدر مناسبتها للعقل، والنفس النفيسة تتأذى بفقد العلم، أكثر مما يتأذّى الجسم بعدم الطّعم.

وإنك ـ أعزك الله ـ شكوت إليّ دفعة بعد أخرى، وثانية بعد أولى، شدة تفاوت ما يصل إلى سمعك وقلبك من كلام أهل العصبية، في المفاضلة بين أهل العربية، وادّعاء كل قوم تقدّم من ينتمون إليه، ويعتمدون في تأدبهم عليه، وهم لا يدرون عمّن روى، ولا من روى عنه، ومن أين أخذ علمه، ولا من أخذ منه؛ وقد غلب هذا على الجهال، وفشا في الرّذال (1) ؛ حتى إن كثيرا من أهل دهرنا لا يفرقون بين أبي عبيدة وأبي عبيد، وبين الشيء المنسوب إلى أبي سعيد الأصمعي أو أبي سعيد السكّري أو أبي سعيد الضرير. ويحكون المسألة عن الأحمر؛ فلا يدرون أهو الأحمر البصريّ، أو الأحمر الكوفيّ. ولا يصلون إلى العلم بمزية ما بين أبي عمرو بن العلاء وأبي عمرو الشيبانيّ؛ ولا يفصلون بين أبي عمر عيسى بن عمر الثقفي، وبين أبي عمر صالح بن إسحاق الجرمي. ويقولون: «قال الأخفش» ، ولا يفرقون بين أبي الخطّاب الأخفش وأبي الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش البصريّين وبين أبي الحسن عليّ بن المبارك الأخفش الكوفي (2) ، وأبي الحسن عليّ بن سليمان الأخفش بالأمس صاحب محمد بن يزيد وأحمد بن يحيى، وحتى يظنّ قوم أن القاسم بن سلام البغدادي ومحمد بن سلام الجمحيّ صاحب الطبقات أخوان.

ولقد رأيت نسخة من كتاب «الغريب المصنّف» على ترجمته: «تأليف أبي عبيد القاسم بن سلّام الجمحي» ، وليس أبو عبيد بجمحيّ ولا عربيّ؛ وإنما

(1) الرذال: جمع رذيل وأرذل ورذال أيضا؛ وهو الدون الخسيس.

(2) في الحاشية عن ابن أبي الحجاج «يحقق هذا الذي ذكره؛ فهو الأحمر لا الأخفش؛ أعني علي بن المبارك» . والصواب ما ذكره ابن أبي الحجاج، وانظر بغية الوعاة 2/ 158.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت