فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 701

على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم

فلما بلغ قوله: «وقفت وما في الموت شك لواقف» قال له سيف الدولة: قد انتقدنا عليك هذين البيتين كما انتقد على امرئ القيس بيتاه وهما:

كأنّي لم أركب جوادا للذّة ... ولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال ...

ولم أسبأ الزقّ الرويّ ولم أقل ... لخيلي كرّي كرّة بعد إجفال

وبيتاك لا يلتئم شطراهما كما لا يلتئم شطرا هذين البيتين، كان ينبغي لامرئ القيس أن يقول:

كأني لم أركب جوادا ولم أقل ... لخيلي كرّي كرّة بعد إجفال ...

ولم أسبأ الزقّ الرويّ للذّة ... ولم اتبطّن كاعبا ذات خلخال

ولك أن تقول:

وقفت وما في الموت شكّ لواقف ... ووجهك وضّاح وثغرك باسم ...

تمرّ بك الأبطال كلمى هزيمة ... كأنّك في جفن الرّدى وهو نائم

فقال: أيّد الله مولانا، إن صحّ أنّ الذي استدرك على امرئ القيس هذا كان أعلم بالشعر منه فقد أخطأ امرؤ القيس وأخطأت أنا. ومولانا يعلم أنّ الثوب لا يعرفه البزاز معرفة الحائك؛ لأنّ البزاز يعرف جملته والحائك يعرف جملته وتفاريقه؛ لانّه هو الذي أخرجه من الغزلية الى الثوبية، وإنّما قرن امرؤ القيس لذة النساء بلذة الركوب للصيد، وقرن السماحة في شراء الخمر للاضياف بالشجاعة في منازلة الاعداء. وأنا لمّا ذكرت الموت في أول البيت أتبعته بذكر الردى وهو الموت ليجانسه، ولما كان وجه الجريح المهزوم لا يخلو من أن يكون عبوسا، وعينه من أن تكون باكية قلت: «ووجهك وضّاح وثغرك باسم» لأجمع بين الأضداد في المعنى وإن لم يتسع اللفظ لجميعها (1) .

وكان ابن طباطبا قد ذكر بيتي امرئ القيس حينما تكلم على تأليف الشعر وقال: «هكذا الرواية وهما بيتان حسنان ولو وضع مصراع كل واحد منهما في موضع الآخر كان أشكل وأدخل في استواء النسج» (2) . وذكر قول ابن هرمة:

وإنّي وتركي ندى الاكرمي ... ن وقد حي بكفي زنادا شحاحا ...

كتاركة بيضها في العرا ... ء وملبسة بيض أخرى جناحا

وقول الفرزدق:

وإنك إذ تهجو تميما وترتشي ... سرابيل قيس أو سحوق العمائم ...

كمهريق ماء بالفلاة وغرّه ... سراب أذاعته رياح السّمائم

وقال: «وكان يجب أن يكون بيت لابن هرمة مع بيت للفرزدق، وبيت للفرزدق مع بيت لابن هرمة فيقال:

وإني وتركي ندى الأكرمي ... ن وقدحي بكفي زنادا شحاحا ...

كمهريق ماء بالفلاة وغرّه ... سراب أذاعته رياح السّمائم

ويقال:

وإنّك إذ تهجو تميما وترتشي ... سرابيل قيس أو سحوق العمائم ...

كتاركة بيضها في العرا ... ء وملبسة بيض أخرى جناحا

(1) يتيمة الدهر ج 1 ص 33، المصباح ص 115، الطراز ج 3 ص 147، خزانة الأدب ص 231، شرح الكافية ص 172 أنوار الربيع ج 4 ص 198، نفحات ص 274.

(2) عيار الشعر ص 124.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت