فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 701

والى بني عبد الكريم تواهقت ... رتك النعام رأى الظلام فخوّدا (1)

ومن ذلك لفظة «ودع» وهي فعل ماض لا ثقل بها على اللسان، ولكنها حينما جاءت بهذه الصيغة لم تحسن كقول أبي العتاهية:

أثروا فلم يدخلوا قبورهم ... شيئا من الثروة التي جمعوا ...

وكان ما قدّموا لأنفسهم ... أعظم نفعا من الذي ودعوا

وكانت حسنة بديعة بصيغة الأمر كقوله تعالى: (وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ) (2) وبصيغة المستقبل كما في قوله: ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد واصل في شهر رمضان فواصل معه قوم: «لو مدّ لنا الشهر لواصلنا وصالا يدع له المتعمقون تعمقهم» . وقول المتنبي:

تشقّكم بقناها كل سلهبة ... والضّرب يأخذ منكم فوق ما يدع (3)

ومثل ذلك لفظة «وذر» فانها لا تأتي بصيغة الماضي وانما بصيغة الأمر كقوله تعالى: (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا) (4) ، وصيغة المستقبل كقوله: (سَأُصْلِيهِ سَقَرَ. وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ. لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ) (5) .

وقد تكون اللفظة حسنة وهي مفردة ولكنها تفقد ذلك الحسن حينما تثنّى، ومن ذلك «الأخدع» التي جاءت حسنة رائعة في قول الشاعر:

تلفتّ نحو الحيّ حتى وجدتني ... وجعت من الاصغاء ليتا وأخدعا (6)

وجاءت ثقيلة مستكرهة في قول أبي تمام:

يا دهر قوم من أخدعيك فقد ... أضججت هذا الأنام من خرقك

وعلة ذلك انها في الأول مفردة وفي الثاني مثناة.

ومن الألفاظ ما لا يحسن إلا بصيغة الجمع، كلفظة اللب أي العقل، فانها وردت في القرآن الكريم في مواضع كثيرة وهي مجموعة ولم ترد مفردة، كقوله تعالى: (وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ) (7) ، وقوله: (إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ) (8) .

ومنها ما لا يحسن إلا في الافراد كلفظة «الطيف» التي تفقد جمالها حينما تجمع فيقال: «طيوف» .

وللصيغ أثر في الحسن والقبح، ولكنّ الذوق والثقافة والممارسة هي التي تضع الحقيقة أمام المتذوقين، أي أنّه لا تحدد هذه المسائل بقواعد ثابتة يرجع اليها الدارسون، وإن كان الاستقراء يقود الى أسس عامة كما فعل ابن الأثير الذي قال: «وأما فعل وافعوعل فانا نقول: «أعشب المكان، فاذا كثر عشبه قلنا: اعشوشب. فلفظة «افعوعل» للتكثير، على أني استقريت هذه اللفظة في كثير من الألفاظ فوجدتها عذبة طيبة على تكرار حروفها كقولنا: اخشوشن المكان، واغرورقت العين، واحلولى الطعم وأشباهها. وأما «فعلة» نحو: همزة ولمزة وجثمة ونومة ولكنة ولحنة وأشباه ذلك فالغالب على هذه اللفظة أن تكون حسنة، وهذا أخذته بالاستقراء، وفي اللغة مواضع كثيرة لا يمكن استقصاؤها. فانظر الى ما يفعله اختلاف الصيغة بالألفاظ، وعليك أن تتفقد أمثال هذه المواضع لتعلم كيف تضع يدك في استعمالها، فكثيرا ما يقع فحول الشعراء والخطباء في مثلها، ومؤلف الكلام من كاتب وشاعر إذا مرّت به ألفاظ عرضها على ذوقه الصحيح فما يجد الحسن منها

(1) تواهقت الابل: مدت أعناقها وتبارت في السير.

رتك البعير؛ عدا في مقاربة خطو. خود؛ سار مسرعا.

(2) الأحزاب 48.

(3) السلهب؛ الطويل.

(4) الحجر 3.

(5) المدثر 26 ـ 27 ـ 28.

(6) الليت؛ صفحة العنق. الأخدع؛ عرق في صفحة العنق.

(7) ص 29.

(8) الزمر 21.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت