فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 701

ما تمنعي يقظى فقد تؤتينه ... في النّوم غير مصرّد محسوب (1)

فالاستخبار عنده هو الاستفهام، وهو ما ذهب اليه ابن قتيبة حينما قال: «الكلام أربعة: أمر، وخبر، واستخبار، ورغبة» (2) . ولكنهما لم ينصا على ذلك وإن كان ذلك مفهوما من تقسيمهما الكلام، غير أنّ ابن فارس قال عنه: «الاستخبار: طلب خبر ما ليس عند المستخبر، وهو الاستفهام. وذكر ناس أنّ بين الاستخبار والاستفهام أدنى فرق، قالوا: وذلك أنّ اولى الحالين الاستخبار؛ لانك تستخبر فتجاب بشيء فربما فهمته وربما لم تفهمه، فاذا سألت ثانية فانت مستفهم، تقول: أفهمني ما قلته لي. قالوا: والدليل على ذلك ان الباري ـ جل ثناؤه ـ يوصف بالخبر ولا يوصف بالفهم» (3) . وذكر الزركشي مثل ذلك وقال إنّ الاستخبار بمعنى الاستفهام، وأشار الى من فرّق بينهما نقلا عن ابن فارس (4) . ولكنّ البلاغيين أداروا مصطلح «الاستفهام» في مباحثهم وكتبهم، وهو ما استعمله النحاة حينما تحدثوا عن أدوات الاستفهام، في حين أنّ عبد القاهر قد قال إنّ الاستفهام استخبار، «والاستخبار هو طلب من المخاطب أن يخبرك» (5) .

الاستخدام:

الاستخدام في اللغة استفعال من الخدمة (6) وذكر الخطيبي أنّه «يسمى أيضا الاستحدام ـ بالحاء المهملة» (7) ، ولا صلة لهذه الكلمة بالاستخدام الذي هو «أن تكون الكلمة لها معنيان فتحتاج اليها فتذكرها وحدها فتخدم للمعنيين» (8) ، لأن الحدم شدة احماء الشيء بحر الشمس والنار، يقال: حدمه فاحتدم، وحدمة النار: صوت التهابها، والاحتدام شدة الحر، واحتدمت النار: التهبت، واحتدم صدر فلان غيضا، واحتدمت القدر: إذا اشتد غليانها، واحتدم الدم إذا اشتدت حمرته حتى يسودّ. ولا صلة للاستخدام بالاستخذام، لأن الحذم القطع أو الاسراع في المشي أو المشي الخفيف (9) .

وكان ابن منقذ أول من عرّفه بقوله: «اعلم أنّ الاستخدام هو أن تكون الكلمة لها معنيان فتحتاج اليها فتذكرها وحدها فتخدم للمعنيين» (10) . ومثّل له بقوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى) (11) ، والصلاة ههنا تحتمل أن تكون فعل الصلاة وموضع الصلاة، فاستخدم الصلاة بلفظ واحد؛ لانه قال سبحانه: (إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ) فدلّ على أنّه أراد موضع الصلاة، وقال تعالى: (حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ) فدلّ على أنه فعل الصلاة.

وذكر قول البحتري:

فسقى الغضا والساكنيه وإن هم ... شبّوه بين جوانح وقلوب

فالغضا يحتمل أن يكون الموضع، ويحتمل أن يكون الشجر، فاستخدم المعنيين بقوله: «والساكنيه» وبقوله: «وإن هم شبّوه» .

ومن ذلك قول بعض العرب:

إذا نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا

فالسماء تحتمل معنيين: المطر والنبات، فاستخدم المعنيين بقوله: «إذا نزل» وبقوله: «رعيناه» لأنّ النزول من حالات المطر والرعي من حالات الكلأ.

(1) سربت؛ سريت. غير سروب؛ غير مبعدة، أي انها لا تبعد الضرب في الأرض. مصرد؛ مقلل.

(2) أدب الكاتب ص 4.

(3) الصاحبي ص 181.

(4) البرهان في علوم القرآن ج 2 ص 326.

(5) دلائل الاعجاز ص 108.

(6) اللسان (خدم) وخزانة الأدب ص 52، وأنوار الربيع ج 1 ص 307.

(7) عروس الافراح ج 4 ص 326.

(8) البديع في نقد الشعر ص 82.

(9) اللسان (حدم) و (حذم) .

(10) البديع في نقد الشعر ص 82.

(11) النساء 43.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت