فهرس الكتاب
2 ـ النفاذ من أقطار الأرض
وكما نفذ الإنسان من أقطار السماوات بسلطان العلم منذ سنة 1957، كذلك نفذ الإنسان من أقطار الأرض في النصف الآخر من القرن العشرين، وسبر أعماق المحيطات ووصل فيها إلى عمق 10 كلم تقريبا، وحفر في قشرة الأرض الصلبة بضعة عشر كيلومترا. إلا أنه يبقى أيضا في نفاذه من أقطار الأرض محدودا، فشعاع الأرض أي المسافة من سطحها إلى مركزها هي 6375 كلم. وفي جوف الأرض شواظ من نار ونحاس أين منهما شواظ الفضاء الخارجي، فالبراكين المشتعلة والزلازل المدمرة تعطي فكرة عما ينتظر الإنسان وآلته إذا تجاوز الحدود في سبر أقطار الأرض مصدقا لقوله تعالى: (يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ) (الرحمن: 35) .
تعليق
رأى كثير من المفسرين ممن نجلّ ونحترم، في الآيتين الكريمتين أعلاه، مشهدا من مشاهد يوم القيامة، فقد كتب ابن كثير: «معنى الآية أنكم لا تستطيعون هربا من أمر الله وقدره، بل هو محيط بكم لا تقدرون على التخلص من حكمه، أينما ذهبتم أحيط بكم فلا يقدر أحد على الذهاب إلا بسلطان، أي بأمر الله وإرادته» . وهذا التفسير هو وجه من وجوه الآيتين الكريمتين أعلاه، يؤيده قوله تعالى على لسان مؤمن بني فرعون منذرا قومه: (وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ. يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ، وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ) (غافر: 32، 33) . كما أن القول بأن الآيتين الكريمتين هما نبأ من القرآن الكريم أن الإنسان سينفذ يوما ما من أقطار السماوات والأرض هو وجه آخر من معانيهما، استنادا إلى قوله تعالى أيضا: (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ) (الانشقاق: 19) . إلا أن هذا لا يمنعنا دائما من القول: الله أعلم بتأويل كلماته، فلكل آية عدا المحكم، معان عدة، والاختلاف في فهم بعض الآيات الكريمة لا يتعارض مع احترام ما جاء عن كل ذي علم من المفسرين من الأقدمين والمحدثين.