الصفحة 1246 من 5443

لم يسبق له مثيل، فغدت ليس فقط بوّابة لبنان الحضاريّة، بل بوّابة الشرق الأوسط برمّته. وغدت تجارتها في هذه الحقبة من أوسع تجارات حوض البحر الأبيض المتوسّط. وقد بهرت محاسن بيروت العاهل الألمانيّ غليوم عند مروره فيها، فلقّبها بالدرّة اللّامعة في تاج عثمان، وقال فيها بعض الرحّالة الأجانب:"إنّها من المدن الخالدة التي لا تموت". على أن بيروت قد عانت وتألّمت كثيرا بما أصابها من سهام الحرب الكونية الأولى بدءا من العام 1914، ومآسيها التي أذلّت أبناء الجبل كما أبناءها، وأوصدت في وجوههم أبواب البرّ والبحر، فكانت أسواقها معرضا لجثث ضحايا الجوع والوباء، ونصبت فيها أعواد المشانق لشهداء الوطن، وهدمت جملة من مبانيها وأسواقها، وتوقفت حركة التجارة فيها. وزحف الجراد على مزروعات البلاد فاتلفها، وارتفعت أثمان المأكولات وأخذ الجوع يفتك بالفقراء. وختمت ويلات تلك الحرب في أيلول سنة 1918 بزلزال خفيف هزّ المدينة والبلاد. ثم جاءها صنّين بحلّة من ثلجه الناصع، فاكتسته المدينة، إيذانا بحلول الفرج.

بيروت عاصمة لبنان

في أوّل أيلول سنة 1920 أعلن الجنرال غورو المفوض السامي في لبنان وسوريا، باسم دولته فرنسا والحلفاء، إستقلال لبنان الكبير، تحت الإنتداب الفرنسي، وسمّيت بيروت عاصمة له، فعادت إلى المرتبة التي كانت لها في عهد فخر الدين، وأصبحت بدوائرها واشغالها محور الحركة اللبنانيّة. وبعد إنتهاء الإنتداب واستقلال لبنان، ثبّتت بيروت عاصمة أبديّة للدولة اللبنانيّة. ومنذ ذلك التاريخ، راحت بيروت تستقطب لبنان، وقد غدا النزوح إليها طريقا لا بدّ لكلّ طالب علم وعمل وتحقيق طموح من أن يسلكه، في ظلّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت