فهرس الكتاب

الصفحة 110 من 396

على الأقدام. وقد روى الطبري (1) والخطيب أيضا (2) حادثة وقعت لعيسى بن عليّ، ومفادها أن هذا الشخص وهو أحد أقرباء الخليفة كان مريضا، فلم يقدر على قطع الرّحبة على طولها مشيا على الأقدام، لكي يصل إلى القصر. وتدل هذه الحادثة بوضوح على أن حظر الركوب بالرّحبة صادر عن المنصور، وهو انطبق على الكوفة تبعا لبغداد، وأن الركائب كانت تحطّ بالرّحبة في السابق فيما يخص الكوفة، على الأقل يوم الجمعة. وأخيرا، فقد تحولت بعد ذلك الرّحبة في بغداد إلى مصلى (3) ، وقد تم ذلك منذ خلافة المهدي وربما قبل ذلك في الكوفة. وهكذا نلحظ تفاوتا في التطور، لكنّنا نلحظ أيضا تماثلا عجيبا في هذا التطور، وبذلك نكتشف كثيرا من الخاصيات للكوفة في بدايتها تظهر في بغداد في خلافة المنصور، شكليا وعلى مستوى التصور (4) .

من الضروري أن نتساءل الآن عن مصدر الرّحبة. هل كانت من أصل بابلي أم هلينستي، أم ساساني، أم روماني بيزنطي، أم من جنوب بلاد العرب؟

لقد رأينا أنّه تشكل قبل ظهور الإسلام، نوع من الصورة المعممة للبنية المدنية حيث تجمعت كل التقاليد الخاصة. وهو أمر صالح أساسا للمساحة المركزية، كما بالنسبة للعناصر المكونة لها (القصر والمعبد) ، ولا بد أنّ الأمر يكون كذلك بالنسبة لساحة المعبد والقصر. ومن المعلوم أنّ مثل هذه الساحة كانت، بصورة أدق، موجودة في المدن اليمنية، وفي المدن الساسانية أيضا، وقد تحدثنا سابقا عن البوميريوم pomerium وعن الساحة المركزية في المدن الرّومانية forum ، مع أن المكان الأول يطابق بالأحرى فكرة الصحن. ومن المفيد التمعن في فكرة الأغورا agora التي انتشرت كثيرا في الشرق في ذلك العصر (5) . فماذا نجد في دمشق، المدينة التي تفيد المؤرخ، لأنّها تحملت الاستمرار في التقطع؟ نجد هنا أيضا، في

(1) التاريخ، ج 7، ص 652.

(2) تاريخ بغداد، ج 1، ص 77.

(3) ليس الأمر بديهيا تماما في نص الطبري الذي يروي انتفاضة سنة 252: التاريخ، ج 9، ص 358. وعلى كل فقد صارت الرحبة مرتبطة بالمسجد ارتباطا عضويا، واستمدت اسمها منه، وكانت واسعة جدا وشعورنا بعد قراءة متأنية أن الرّحبة استخدمت كمصلى. وقد شدد اليعقوبي تأكيده على هذه النقطة، ولهذا الأمر اعتباره حيث ألف كتابه في الفترة ذاتها تقريبا. كتاب البلدان، ص 240.

(4) سوف نعود إلى هذه النقطة الرئيسة، إذ لا نوافق العليّ ولا لاسنر على رأيهما. ولنشر منذ الآن إلى نصيب أهل الكوفة في بناء الحاضرة الجديدة: أبو حنيفة الفقيه الكبير، راجع الطبري، ج 7، ص 619؛ وابراهيم بن حبيش الكوفي، المرجع نفسه، ص 653.

(5) لنسجل فكرة لويس ممفورد عن انتشار النموذج الهلينستي حيث جرى تعميم الصبغة الهلينستية على الصعيد العالمي «كنموذج منمط للصناعة المسترسلة» :. Mumford ,op.cit.,p.962. ولا بدّ أن الفرس قد استبطنوا هذا النموذج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت