فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 396

إن رغبته في إبراز خصوصية المدينة الاسلامية تنتهي به إلى حرمانها من أي طابع إسلامي (1) . يمكن تلخيص مظاهرها المميزة فيما طرأ على المخطط من قلب عجيب، وفي ظاهرة الزقاق غير النافذ ـ وهي خاصية لتنظيم المجال تعكس سلوكا معينا للجماعات البشرية ـ «لا نجدها في مدن العصور القديمة الكلاسيكية ولا في مدن العهد الأوروبي الوسيط» ، وتكون مشتقة من الشرق القديم، ومن هذه المظاهر أيضا الدار ذات الصحن الداخلي، وهي إرث شرقي، والتنوع الإثني للاحياء وبالخصوص وجود السوق. ويرى قيرث أن الخاصيات الأربع الأولى ليست ابتكارات إسلامية، بل هي عناصر شرقية لا تتميز إلا بالنسبة للتقليد الكلاسيكي أو الأوروبي، والسوق فقط إبداع ثقافي إسلامي (2) . على أن «السوق (البازار) بصفتها مركزا تجاريا يعمل بمقتضى مبادئ اقتصادية عقلانية، هي مؤسسة لها أضعف الصلات بالاسلام كدين» ، يقول قيرث مسترسلا في تفكيره دون حرج، جامعا بين الأفكار الاستشراقية المسبقة والفرضيات المسبقة كما يجدها عند قيبر (3) . ليست هذه المدينة إسلامية لأن أغلب خاصياتها مستمدة من المدينة الشرقية. فهل نسميها لذلك شرقية؟ لا، حيث «إذا اعتمدنا الآثار المادية والتوثيق المختص بهندسة العمارة، فإنه يبدو معقولا العدول عن عبارة (مدينة شرقية) » وأخيرا فإنها ليست مدينة عربية (4) . إنها مدينة بدون اسم، لا ترتبط بأية حضارة معينة. ويختم قيرث تدليله دون أن يستنتج فكرة ما، لأنه بقي حبيس تصوراته الذهنية، فهو يرى جيدا أنه حتى بإسناده عناصر شكلية إلى التسلسل الشرقي فإنه يستحيل، من الوجهة الأثرية، مماثلة هذه المدينة الفاقدة لكل اسم بالحاضرة الشرقية. الحقيقة أن نقطة الضعف تكمن بالنسبة لكل هذه المساعي ومنها مسعى قيرث كما مسعى من سبقه وبسبب مفارقة هائلة، في التصور المسبق العنيد للاسلام كدين صرف وجديد إطلاقا، ويكاد أن يكون مثاليا، وفي أنه قام بداهة على أرضية تاريخية ملموسة مزجها، وشكلته هي بدورها. وجملة القول، يكمن هذا الضعف في العمى تجاه الامتدادات والانقطاعات التي تؤسس مجرى التاريخ بالذات.

انطلق المحللون من هذا الوضع، فجمعوا الفرضيات والمتناقضات، إضافة إلى إصدار أحكام قيمية ضمنية وصريحة. ومن الغريب أن قيرث أعلن أن العصور الكلاسيكية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت