فهرس الكتاب

الصفحة 154 من 396

كمنتوج «لتطور بدأ من الخارج إلى الداخل (oustide ـ in) (1) . وإذا استقرت المدينة الحقيقية ـ مدينة السكان والأسواق والعسكريين والصناع والتجار ـ خارج الأسوار من أول وهلة، فماذا يبقى في الداخل سوى مركز إداري، أي «ملك خاص للخليفة» شبيه نوعا ما وفي خاتمة المطاف بحامية الكوفة؟ وأين يكمن أيضا تطور الداخل بواسطة الخارج، إذا ما خطّت المدينة المستديرة مسبقا، وحصر مجالها، فكانت فعلا لا تقدر على النمو إلا قليلا؟ وعندئذ، هل يتعلق الأمر بمصر معكوس؟ يكفي القول ان المركز كان موجودا تماما في المصر وأن كل دفع ممكن صدر منه ـ وهو أمر يبدو لنا بديهيا ـ وأن نعيد إلى الجادة معنى تطوره لكي تصير بغداد صنوا للكوفة، طبق مقدمات لاسنر نفسه. لقد أنشئ مركز هنا وهناك، وتحول إلى مدينة حقا ـ مدينة عفوية ـ بفضل امتداداته المتنامية. لكنّ هذه المقدمات خاطئة، ولا سيما بخصوص الكوفة.

والحق أن كل المواقف المشار إليها سابقا والقابلة للمحاججة بالنظر للأمصار الأخرى، يتبين خطؤها قطعا بالنسبة للكوفة. فيمكن عند الضرورة الصاق مفهوم «المدينة العفوية» بالبصرة فعلا، لا بسبب الثنائية المتصورة بين المعسكر والمدينة المقبلة، ولا كذلك بسبب تطور ما خارجي مستقل عن المصر البدائي ومنعكس عليه، بل بالأحرى لأن البصرة خلافا للكوفة، ظهرت بصفة عفوية نسبيا، متواضعة في الأصل، وانبعثت انطلاقا من حافز على الهجرة جدّ لدى قبائل البحرين. لم تؤسس البصرة بفعل عمل مصمّم ومسترسل من طرف السلطة بل هي ظاهرة متفرّعة شبه هامشية، ظاهرة ما زالت غامضة. فضلا عن أن في البصرة يدرك هذا التطور البطيء الذي تم على مراحل، من الخيام الوطيئة إلى خصاص القصب التي ترفع أثناء الحملة. وقد وصفت المصادر بوضوح أول مسجد في البصرة على أنه مخطط بكل بساطة لا غير، إنما لم يتمّ بناؤه ولعله أحيط بسياج من القصب. وإذن فليست ظروف البصرة هي ظروف الكوفة حيث استقر أكثر الجيش الفاتح الذي انتصر في معارك القادسية والمدائن وجلولاء: وهي مجموعة ملحاحة متماسكة تطالب وتحصل على رعاية السلطة. فيمكن فعلا الإشارة إلى عفوية نسبية في البداية بخصوص البصرة. ولم يتردد كايتاني في الإشارة إلى هذا الأمر (2) ، مقارنا بين البصرة التي «تولدت من ذاتها، ولضرورة في نفسها» ، وبين الكوفة التي ظهرت «اعتباطا» وبإرادة شخص. وقد أدرك ريتميير Reitemeyer ذلك الأمر جيدا (3) ، وجاراه كرسويل Creswell (4) . لكن بالنسبة للكوفة لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت