فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 396

ـ 13 ـ

قوّة الماضي:

الشرق والهلينية وامتداداتهما

ارتبط تكون الكوفة فعلا، مكانا وزمنا، بتقاطع المؤثرات والتقاليد المتراكمة. الحقيقة أن ما هناك من مقارنات دالة بين المدينة الاسلامية والمدينة الشرقية تصلح خاصة للفترة اللاحقة، حين تكون المدينة الاسلامية قد أنهت بناء ذاتها على كل الاصعدة. والحقيقة أيضا أنه لا يمكن إلا مقارنة مرحلة ما من تطور المدينة الاسلامية بمرحلة أخرى من تطور المدينة الشرقية، مثلا بغداد في القرن الرابع ه / العاشر م. وبابل زمن هرودوتس. على أن الفترة الحاسمة بعد تجاوز الطبوغرافيا في مسيرة حياة مدينة ما، هي فترة إنشائها، ولا سيما إذا تعلق الأمر بحاضرة أم مثل الكوفة، وأن يصاحب هذا الإنشاء تحول حاسم في التاريخ.

لا يفوتنا أن نلاحظ أن فجوة ألف سنة تفصل الكوفة عن بابل الامبراطورية الجديدة ـ وهذا قصير في حياة الشرق ـ وكذلك مسافة مكانية تعادل 90 كيلومترا (1) . إنه لجوار ممتاز في رمزيته، وما يلاحظ بصفة رئيسة وبالكيفية نفسها، التأثير المهيمن في ذلك العصر لمركّب سلوقية ـ المدائن، وهو خلق يوناني ثم بارثي، فيه تبلورت كل الخطوط البارزة للشرق، أو ما تبقى منها. كان التأثير الهلنستي الذي جسمه بقوة السلوقيون، وكانت روما وبيزنطة، وكان الساسانيون الذين أعادوا تنظيم بلاد الرافدين (2) . هذه طبقات متعددة إذن، لكنها تحركات أيضا، واستمرارات واضحة وانفصامات. كان ضروريا تذكير القارئ

(1) كتاب البلدان، ص 309؛. Caetani, Annali, III, pp. 338 ـ 638; Le Strange, pp. 07 ـ 17.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت