فهرس الكتاب

الصفحة 162 من 396

النموذج الخاص ببلاد الرافدين في بغداد فضلا عن ذلك، في عين المكان، بغداد المزدحمة بالبشر والمحاطة بسورين مضاعفين، والخاضعة لحراسة مشددة فرضها قهر الخليفة ثم السلطان. لكن ما يهمنا حقا هو إبراز نمطين مثاليين للمدينة، انطلاقا من التجربة المصرية وتجربة بلاد الرافدين. الأولى كنمط المدينة المنفتحة الهندسية المتحررة في مظهرها، البسيطة في تخطيطها، والأخرى كنمط المدينة المغلقة المتشعبة الملتوية (1) . لكن ألا تخفي هذه الرؤية التي تجسمت على هذا النحو في موقف مؤلفين من الغرب، جانبا من «الثنائية» ، وتمجيدا للهلينية يعتمد المركزية العرقية بصورة مقنعة وبواسطة تمجيد الحضارة المصرية؟ على أن هذا لا يمنعنا من المقارنة الموحية بين الكوفة الهندسية الأولى الحرة المتفتحة، وبين بغداد ربيبة الكوفة إلى حد بعيد، وحتى الكوفة العباسية الحبيسة في أسوارها والتي تسلط عليها القمع والارهاب. وبذلك ينبغي الرجوع كثيرا إلى الوراء، أي إلى أقدم طبقات التقليد المدني، لا أن نقابل فقط بين الهلينية والاستشراق (المقصود هنا المبدأ الشرقي لا علم الاستشراق) ، كما يقع في أغلب الأحوال.

بابل

كانت بابل التجسيم الأعلى لنموذج بلاد الرافدين، فقد أجملت مجمل المكاسب الحضارية للشرق المركزي في صفائه، إن صح القول، فبدت حلقة حاسمة للبحث عن التسلسلات. ينبغي استنطاق بابل في ذاتها وفي ما يدور في فلكها أيضا، أي سبار ونبور وأرك، وبعيدا كركوك، وحتى المدن الأشورية مثل أشور وخرسباد (2) . على أن بابل الطبيعية ذاتها تبقى المحور المشع ضمن هذه الكوكبة. وفي العصر التاريخي الذي ظهر خلاله نبوخذ نصّر، يتجه التفكير إليها عندما يدور الحديث عن الحاضرة الشرقية الأصلية. كانت مربعة الشكل ـ مثل الكوفة والبصرة على الأقرب ـ واسعة الشوارع المرتبة. وكانت تستخدم اللبن والآجر (3) ، كانت أيضا المدينة ـ المعبد، حيث يقوم سجيل بدور أساسي، لها أراضيها الخاصة ومخازن حبوبها (لنذكر دار الرزق بالكوفة) ، وقاعدتها العقارية التي لم تكن بابل

(1) روج وولي Wooley لفكرة أن الحاضرة في الشرق الأوسط اليوم، في نواتها التقليدية، تعكس بنية المدينة القديمة في بلاد الرافدين. وقد شاعت عند غيره، منهم اوبنهايم. ولم يعمل فيرث إلا على اقتباسها لافراغ المدينة العربية من كل أصالة خلاقة. وبالنسبة لإرنست بلوخ Ernst Bloch ، يمثل المعمار الفرعوني أصل ونمط البعد الهندسي في نقاوته الذي يصل إلى الكمال في الأهرام، وهو ينعته ب «يوطبيا بلّور الموت» ويعارضه بال «يوطبيا الغوطية» التي تمثل شجرة الحياة:. Le Principe Espe ? rance, trad. fr., II, Paris, 2891, pp. 233 ـ 533.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت