فهرس الكتاب

الصفحة 170 من 396

امبراطوريتهم بقي وسيبقى الشام، إلى أن يحين وقت سقوطهم (1) . أما بخصوص بلاد الرافدين ذاتها، فالسؤال المطروح والواجب طرحه وصوغه كما يلي هو: إلى أي حد تسرب التأثير الهلينستي بدءا بدائرة الحياة المدنية؟ هل خلف آثارا باقية؟ من اليسير الإحاطة بهذا المشكل، لكن الإجابة المرضية غير ممكنة إلا إذا استعرضنا الخلفية التاريخية لما كان عليه الاستيطان الهلينستي في الشرق.

خلافا للعرب والفرس، المجاورين مباشرة للشرق الواقع بين الشام وبلاد الرافدين، فإن السلوقيين وهم المتعلقون عاطفيا بالهلينية، لم يعتمدوا على الشعب اليوناني ككل للامساك بزمام امبراطوريتهم الشاسعة. وربما لأنهم لم يجدوا يونانا بجوارهم، أو مقدونية، ولم يعتمدوا إلا على مجموعات مهاجرة صغرى (2) ، فقد لجأوا إلى إنشاء المدن (Poleis) حيث أقروا عناصر يونانية مقدونية. كانت نقطا يستندون إليها، وجزرا للهلّينية تدعم هيمنتهم. وهكذا فإن ما بذلوه من جهود جبارة في إنشاء المدن يدخل ضمن خطة سياسية مهيأة (3) ، أكثر مما يتعلق الأمر بميل إلى التمصير يجب ترضيته، أو حتى مشروع حضاري، كما ارتآه مدّاحو الهلينية من النمط القديم ومنهم جونز Jones (4) . وهذا لا محالة هو وضع كل مشروع امبراطوري، بما في ذلك الاتساعية الامبراطورية العربية، لكنّا نجد هنا امبراطورية بعيدة عن قواعدها البشرية. إن ما يلفت النظر عند الرجوع إلى خارطة المنشآت الهلينية، هو كثرتها في آسيا الصغرى والشام حيث يمكن ذكر انطاكية العاصمة السياسية، وآفامية المركز العسكري، وسلوقية في بياريا، واللاذقية مقر التجارة، لكي ندرك ما كان من قوة للاستقرار المدني (5) . وقد توسعت الشبكة في بلاد الرافدين وامتداداتها إلى الجنوب، وقلّت كثافة الحضور الهلّيني، وتناقص عمقه أيضا. وقد ذكرنا أن بابل اصطبغت بالصبغة الهلينية السطحية في عصر متأخر، وخلافا لذلك فإن سلوقية تحولت إلى مركز نشيط للهلينية الشرقية. فكانت مقرا للحاكم العام بمنطقة الشرق، وأشرفت هكذا على الميدان الإيراني كله. كانت حاضرة مركزية حقيقية (6) عامرة بعدد مهم من السكان الذين كانوا خليطا من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت