فهرس الكتاب

الصفحة 201 من 396

مثل مكة والطائف (1) وسدوم (2) ونينوى (3) أيّ مدينة أخرى كبيرة أو صغيرة. أما في أقدم الروايات التاريخية العربية فقد حافظت هذه الكلمة على هذا المعنى: فالقرية هي المدينة (4) ، وأهل القرى هم سكان المدن ولا سيما مكة ويثرب والطائف ويقابل القاري بالبادي (5) . وحتى نعت قروي كان يعني مدنيا في الأصل (6) .

أما كلمة مدينة، فقد وردت في القرآن بصيغة مدائن في الجمع واستعملت مفردا دلالة على يثرب (7) ، وقد وردت أيضا اسما للجنس (8) . وينبغي ترقب القرن الثاني لكي تعود إلى السطح التسمية في عبارة مدينة السلام، ونهاية القرن الثاني وبداية القرن الثالث، لكي يبرز بوضوح مفهوم المدينة، في بغداد كما في الكوفة، بصفتها تمييزا للمركز المدني الأصلي المحاط بسور عن الأرباض، وعن الامتدادات خارج السور (9) . وباستقراء معاجم الفصحى التي دوّنت الأصول القديمة، نجد أن كلمة مدينة لا تطابق قطعا تصور المدينة الحديث، بل لها مفهوم «الحصن الذي يبنى في أصطمة الأرض» (10) . وهي كلمة تشمل أيضا الأرض نفسها. ورأيي أن كلمة مدينة ربّما تعني حصنا أو بصورة أدق المدينة ـ الحصن، وكذلك فهي مدينة بها حصن أو بناءات محصنة. كانت تلك صفة المدينة المستديرة، وكذلك وضع يثرب المدرعة في داخلها بالأطم. ولم يكن الوضع كذلك بالطائف وهي «قرية» وعرفت بهذا النعت، لكنها أحيطت بسور. ولذا فإن قرية ومدينة لم تتميزا من حيث الحجم، بل بالوظيفة ونمط التمدن؛ فللمدينة اتجاه دفاعي، وهذه هي نوعيتها ودورها، خلافا للقرية التي تجسم الخيار المدني المعتاد، ولا سيما الخيار المدني والتجاري والديني وخيار التجمع البشري الكثيف. وهنا تكمن مفارقة نظرا لقلب الدلالة في الكلمتين، مع أن كلمة

(1) «القريتين» : القرآن، سورة الزخرف، 30.

(2) القرآن، سورة الأنبياء، 74.

(3) القرآن، سورة يونس، 98.

(4) راجع الطبري، ج 3، ص 298.

(5) لسان العرب، ج 15، ص 178.

(6) المرجع نفسه، ج 15، ص 178.

(7) القرآن، سورة التوبة، 101 ـ 120؛ وسورة الأحزاب، 60.

(8) بالمعنى نفسه، الذي «لقرية» فيما يظهر، وهو المعنى الوارد بالآية 13 والدال على المكان عينه: القرآن، سورة يس، 60. وقد سها بوهل عن ذلك، كما سها عنه أن القرآن استعمل مرارا لفظة يثرب وليس مرة واحدة كما يقول:. F.Buhl ,art.» Al ـ Madina «,E.I. / 1

(9) راجع فيما بعد، ص 312.

(10) لسان العرب، تحت مادة «مدينة» ج 5، ص 402 ـ 403 حيث ذكر ما يلي: «الحصن في أصطمّة الأرض» ، «كل أرض يبنى بها حصن في أصطمّاتها فهي مدينة» . بخصوص أصطمّة راجع تاج العروس، ج 8، ص 367.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت