فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 396

أهمية الحاجز والحصن، من هنا تجمّع الفرس وإسراع العرب الكبير للتحول إلى هذه النقطة. من هم هؤلاء الفرس الذين اعتصموا في جلولاء، بقيادة مهران أو خرزاد؟ كانوا عبارة عن النواة الأخيرة المتبقية من جيش القادسية التي سبق أن تخلت عنها فضائل فضلت الانسحاب إلى النجد الإيراني، وروي أن أمدادا قادمة من حلوان وما والاها التحقت بها أيضا (1) . لقد أجلي الأهالي إلى خانقين، بينما حط الملك رحاله بحلوان (2) التي كانت أول ممرّ جبلي بالجبال (3) ، وكانت تقع تماما على التراب الإيراني لا في العراق كما قيل، ولذا يحدونا الشعور الجلي أن الفرس عمدوا إلى اختيار موقع جلولاء ليكون العراق مسرحا لآخر معاركهم من أجل العراق وكذلك لحماية بوّابة فارس: كانت جلولاء أهم من المدائن من حيث الأهمية الاستراتيجية.

ولم يخطئ العرب في تقديرهم ولذا وجهوا هاشم بن عتبة نائب القائد العام برفقة 12000 فارس شكلوا نخبة المقاتلين، ونحن نستشف هذا الأمر من رواية الأحداث بل إن الروايات تؤكد ذلك (4) . وخرج إلى القتال قادة من طراز جرير بن عبد الله البجلي والقعقاع بن عمرو، وقد تولوا القيادات في حين أن زعماء الردة لم يقوموا إلا بالمساهمة في القتال. لقد ظهرت معركة جلولاء في نظر العرب بمظهر المعركة الجدية التي كانت محسومة سلفا، نظرا للموقف العسكري العام، وهو ما يفسر أن سعدا لم يخرج بأكثر الجيش من المدائن، فوجه جيشا مهما لا كل الجيش. ولكن يمكن القول إن ثمة مجموعة شاركت في القتال بغية العمل من أجل كسب حقوق معنوية لاحقة، لأن الحضور بجلولاء اعتبر مخولا للفيء بمعناه الضيق (التمتع بالأراضي المغتصبة من أملاك التاج الفارسي) ، ولأن الغنيمة المتكدسة كانت عظيمة.

لا فائدة من الإلحاح على العملية العسكرية وتفاصيلها. لم تكن جلولاء محصنة أصلا: فوجب تحصين المعسكر وإحاطته بالوسائل المتاحة لكون الفرس سلكوا حتما مسلكا دفاعيا، فلم يتمكنوا من الصمود طويلا، وحاولوا الهجوم، فكانت الهجمة الأخيرة هي التي شكلت معركة جلولاء بالذات. كانت معركة حامية إذا ما صدقنا سيفا الذي عاد إلى وصفه الملحمي جاعلا من جلولاء رجعا للقادسية إلى حد ما (5) : كان كايتاني محقا عندما أشار إلى

(1) فتوح البلدان، ص 264؛ الأخبار الطوال، ص 127؛ الطبري، ج 4، ص 27.

(2) الأخبار الطوال، ص 127، فتوح البلدان، ص 264.

(3) على الطريق الكبرى لخراسان: اليعقوبي، كتاب البلدان، ص 270؛ ابن رسته، الأعلاق النفيسة، ص 164؛. Le Strange ,op.cit.,p.36.

(4) الطبري، ج 4، ص 24 و 26: كان القعقاع يقود الطليعة؛ البلاذري، فتوح البلدان، ص 264.

(5) الطبري، ج 4، ص 26 ـ 27.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت