فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 396

فتوحات المدائن لسنة 16 ه‍، خلافا لمزاعم سيف. ولم يبق إلا حلوان التي تطرح علينا مشكلا. يعني كل هذا أن العرب ركزوا جهودهم بعد وقعة القادسية على طرد الساسانيين فقط، وإخضاع وادي دجلة والفرات دون التقدم خلف ذلك الخط سواء في اتجاه الجزيرة أم في اتجاه الأرض الإيرانية. وتوارت الغاية العسكرية لصالح قضايا التنظيم والاستقرار، كما أن اختيار الكوفة بالذات بدل المدائن كمركز للسكنى ينبئ بالرغبة في الوقوف عند حد المواقع المكتسبة.

تنظيم السواد:

لن يتم إنشاء الكوفة قبل نهاية سنة 17 ه‍وبداية سنة 18 (1) ، أي بعد أربعة عشر شهرا من احتلال المدائن (2) ، وبعد سنة من انتصار جلولاء بحيث أن سنة 17 بقيت سنة استراحة وتفكير وتنظيم. لقد تحول عمر إلى الشام في سنة 17 ه‍، لكي ينظم أوضاع المقاتلة (3) ، ويحل مشاكل الدفاع والاستقرار والأعطيات، لكن هل قام بذلك بالنسبة إلى كل الأقطار المفتوحة بما فيها العراق، عند تحوله هذا؟ لا تؤيد النصوص ذلك بل هي تقول العكس، بمعنى أنه تمّ فضّ المسائل المعلقة بالشام ولم يفض سواها (4) . وعلى النقيض من ذلك يحثنا الوضع العام على الاعتقاد بأن التشاور المستمر بين عمر وسعد خلال عام 17، أدى إلى إعداد وضبط النظام الشامل الذي سيخضع له العراق (5) .

فبعد أن تبلور الوضع، تحول أكثر الجيش المعسكر بالمدائن إلى الكوفة العتيدة. ولا يمكن أن يكون الأمر غير ذلك، لأن الاتجاه إلى اختيار تمركز الجيش بمعسكر ارتبط باختيارات مسبقة أخرى هي: عدم اقتسام البلاد المفتوحة بقوة السلاح، وإبقاء الفلاحين على أراضيهم والاستمرار في العمل بالهياكل الجبائية الساسانية، والعمل بفكرة تسديد نفقات المقاتلين بواسطة العطاء. كما أن الصلة واضحة بين هذه الاختيارات الأولى التي جدّت في البلاد المفتوحة عملا برأي عمر، والانشاء المركزي العام للديوان، وقد أدرك

(1) الطبري، ج 4، ص 42، قد اعتمد خبرا أورده الواقدي؛ البلاذري، فتوح البلدان، ص 274؛ Caetani,. Annali, III, 2, p. 318 ـ 33; Chronografia ـ ـ ـ , I, p. 991. أرّخ سيف إنشاء الكوفة في بداية سنة 17، وهذا تاريخ غير مقبول: الطبري، ج 4، ص 40. ويبدو لنا أن آخر سنة 17 أكثر اقترابا من المعقول من بداية سنة 18 وهو التاريخ الذي أخذ به شعبان، انظر:. Shaban ,Islamic History ,p.15.

(2) الطبري، ج 4، ص 42.

(3) المرجع نفسه، ص 59. لم يتجول عمر إلّا مرة واحدة في هذه السنة، بسبب انتشار الطاعون.

(4) المرجع نفسه، ج 4، ص 64.

(5) البلاذري، ص 266 ـ 268؛ الطبري، ج 4، ص 30 ـ 32.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت