فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 396

ـ 1 ـ

إشكالية الفتح

لا مراء في أن إنشاء الكوفة سنة 17 من الهجرة الموافق لسنة 638 ميلادية ارتبط مباشرة بفتح العرب للعراق. فحالما فرغ العرب من السيطرة على العراق، بعد طرد فلول القوات الساسانية إلى النجد الإيراني، وبعد أن استولوا على جلولاء والمدائن، مكتسحين السواد كله، شعروا بالحاجة إلى إنشاء دار هجرة على تخوم البلاد المفتوحة، تكون بمثابة المعسكر والمركز للهجرة في الوقت نفسه. وعلى ذلك، تشكل الكوفة ثمرة مباشرة لعملية من عمليات الفتح الخاطف معللة إياها ومشكلة بدورها امتدادا لها، ضامنة لها، راسمة معالمها على التربة، ذلك أن الكوفة تحتل موقع القلب من المنطقة، تلك المنطقة التي كانت تدور فيها المعارك بين العرب والامبراطورية الساسانية؛ منطقة معدة لكي يعمرها أول من يعمرها المشاركون في القتال ويستقر فيها أغلب المجاهدين العرب. وعلى هذا، فستتأثر الكوفة كثيرا، وبدرجة أعظم مما حصل في البصرة، بالحدث التاريخي المتمثل في الفتح، كما سيؤثر فيها العيش على ذكراه، وسيظهر ذلك التأثير في عناصرها البشرية التي جسمت كيانها، وفي بنيتها الاجتماعية، وفي الحركات السياسية الدينية التي ستهزها. وفضلا عن ذلك، يتجاوز الفتح العربي للعراق مصير الكوفة بصفته قضية تاريخية، ذلك أن الكوفة تندرج ضمن ظاهرة كونية هي ظاهرة الفتح العربي الذي اكتسح العالم. ولا يبدو لنا مفيدا أو ضروريا التعمق في بحث القضية في جملتها، بل نرى أنّ من الأهم البحث في اندراج الفتح العربي ضمن فضاء معين، بمواقيت خاصة به وبعناصره البشرية. ولكن، بقدر ما يكون الارتباط مباشرا لا محالة بين الظروف التاريخية المحيطة بإنشاء الكوفة وظاهرة الفتح بصفة عامة، فمن المفيد أن نلمح دون إطالة إلى قضية نشأة الفتح العربي ودلالته.

يستحسن التذكير بأن المؤلفين المحدثين ومنهم كايتاني Caetani وشعبان Shaban الذي تلاه بعد ثلاثة أرباع القرن، قد طرحوا مسألة النظر في أسباب الفتح العربي ومعناه،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت