فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 396

والملاحظ على كلّ أن الإبل كانت حاضرة، سواء اعتبرنا هذا الحضور بقية من بقايا الماضي أم لا. ولا يستبعد أنه أثر في قرار الانتقال إلى منطقة تشرف على البادية لأسباب نفسية أكثر منها اقتصادية، كان التكيف مع الموقع أكثرها بداهة، ذلك أن العرب لا يتكيفون مع مكان إلا إذا تكيفت معه مواشيهم. فكان موقعا بين البر (1) ـ عالم السباسب والصحراء ـ والريف ـ عالم البادية المزروعة، المنظمة، غير العربية، الخاضعة «للبحر» ، بمعنى أن له وضعية الحدود فيسمح بمراقبة السواد دون أن ينفصل عن بلاد العرب. وتذكر المصادر أن استكشاف الأراضي شمل الفرات على امتداده، وقد قام بالعملية سلمان وحذيفة بن اليمان، سلمان من جهته وحذيفة (2) من جهته، ذلك أن مواضع كثيرة قد تستجيب للشروط المقررة مسبقا، وذكرت المصادر مرارا إسم الأنبار وهي الحاضرة التي أنشأها سابور (3) . وقد مر بها سلمان دون أن يتوقف، وهذا ما ذكره سيف. وأقام سعد فيها مدة، كما قال الواقدي، وفيها تململ الجيش من كثرة الذباب (4) . الواقع أن الأنبار كانت تتمتع بموقع استراتيجي طيب: كان مدينة حدودية، فضلا عن وقوعها بمدخل أول طريق مائية بين الفرات ودجلة. وقد أعدّ فيها السفاح بعد ذلك مقر إقامته. إلا أنها كانت حاضرة تقع فيما وراء الفرات، بعيدا إلى الشمال في ظن المخططين، وكانت مدينة قائمة الذات بمعنى أنها كانت مجمدة الهياكل، في حين أن همة العرب تعلقت بالجديد، أي أن رغبتهم في أن يشكلوا مجالا وفق مزاجهم، لا أن يسكنوا إطارا مبنيا طبق مقاييس حضارية مغايرة. ويحتمل أنهم لم يريدوا حتى إنشاء مدينة ما خلال المرحلة التي وقفوا عندها. بل إن همّهم كان إقامة معسكر مفتوح، كما جاء في توصية منسوبة إلى عمر (5) . حتى أنهم مالوا إلى اختيار أرض عراء بدل اختيار الأنبار، أو سوق حكمة وحتى الحيرة. كانت الحيرة شديدة التوغل في البادية ولم يكن قربها من الفرات والسواد كافيا (6) ، لكنها كانت تقع بالخصوص تحت وطأة الماضي الذي أرادت العروبة

(1) المرجع نفسه، ص 42.

(2) المرجع نفسه، ص 41.

(4) فتوح البلدان، ص 274.

(5) «المعسكر أجدى لحربكم» : الطبري، ج 4، ص 43.

(6) لم يتأكد لدينا هل أن الحيرة كانت تقع إلى الجنوب الغربي من الكوفة العتيدة، على طريق القادسية، أو إلى الغرب تماما، من جهة النجف الحالي، وقد تضاربت المصادر في هذا الموضوع، وسادها الغموض. حدد اليعقوبي، فتوح البلدان، ص 309، موقعها على طريق النجف، وحدده ياقوت «على بعد ثلاثة فراسخ من الكوفة في مكان يقال له النجف» : ج 2، ص 328. راجع أيضا الجنابي، ص 197، وما بعدها، وصالح العلي، «منطقة الحيرة» في مجلة كلية الآداب، بغداد عدد 25، 1962، ص 17 ـ 44. انظر كذلك لاسنر! Lassner, The Shaping of Abbasid Rule, Princeton, pp. 341 ـ 151.، الذي يميل إلى الاعتقاد بأن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت