فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 396

دينية وضمن نشوء دولة إمبراطورية، وبعد الفتح. إن العنصر الإرادي كامن دائما، ولا سيما عنصر التأطير. قد يكون لمفهوم الاستقرار معنى أنفذ، لو استقر العرب المهاجرون في السواد بصفة فلاحين، استقرارا عفويا ضمن إطار اقتصادي مندمج، منسجم تقريبا، أي في ظروف تاريخية لم تعرف الانقلاب الهائل الذي أحدثه الإسلام. إن التغيير، بطابعه المحير، يكمن في التدرب على التعايش بين قبائل كانت متباعدة الواحدة عن الأخرى منذ أقدم العصور، أكثر مما كان ترسيخا سكنيا لأناس اعتادوا من قبل التنقل الترحلي، كما أنه يكمن في امتلاك جديد للروح الحضرية، والخضوع لدولة فوقية موحّدة. ولم يتسرب لا محالة أي شيء من المصادر، تسربا صريحا، فيما يخص الطريقة التي بها تم الاستقرار. وبلوغا لذلك، ينبغي أن نعود إلى طرح القضية ضمن منظار يخالف كل المخالفة منظار الجغرافيا الاستعمارية أو نظرية التنمية التخطيطية. وما يلفت النظر أن النصوص القليلة المتاحة والخاصة بالكوفة وتشييدها من الداخل، تجرّ الباحث كلما تعمق في المطالعة إلى الاقتناع بأن الأمور تمت من أول وهلة، وأن الكوفة حصلت على خاصيات المصر الأساسية منذ انطلاقتها الأولى وفي فترة قصيرة، المصر أي مكان إقامة دائمة، مالك لنواة معمارية ومنظم، ومن البديهي أنه يجب إعادة النظر في مراحل تطور الكوفة منذ خطواتها الأولى.

سبق لنا أن جلّينا مظهر الكوفة، وسنحاول التدقيق فيه، وهو في الحقيقة يتحدى التصورات المعهودة. نحن نترقب مثلا أن تعود بقوة إلى السطح مسألة العلائق القائمة بين المدينة والريف. الواقع أن الكوفة كانت مرتبطة في آن بالسواد، ومنه تستمدّ عيشها وقاعدتها المادية ـ كنقطة لامتصاص الفيء، كما يقول ماسينيون (1) ، ومرتبطة ببلاد العرب حيث تستمد جوهرها البشري والثقافي. إلا أن نشاطها ارتبط بالأحرى بالأفق الإيراني الذي اتجهت إليه بكامل طاقتها (2) . ولذا يظهر السواد عبر المصادر بمظهر الإطار الجغرافي، و «البستان» في نظر أهل الكوفة، تمثلا بعبارة معروفة (3) ، أكثر منه فضاء اندمج في الحاضرة أو غزاها. المؤكد أن المبادلات البشرية جدّت وزادت قوة بمرور الزمن، لكن يتبين أن

(2) الطبري، ج 4، ص 122 وما بعدها، ص 149 ما بعدها وما قبلها؛ ج 6، ص 34 وما بعدها؛ البلاذري، فتوح البلدان، ص 302 وما بعدها، ص 324 ـ 325؛ ابن رسته: الأعلاق النفيسة، ص 166؛ Hill, Termination of Hostilities, p. 831 ff. p. 251 ـ 35. Shaban, The Abbasid Revolution, Cambridge, 0791, p. 61 ff.

(3) نسبت هذه الكلمة إلى سعيد بن العاص دلالة على السواد ك «بستان قريش» ، مما أدى بقسم من أهل الكوفة إلى معاداته فعلا: البلاذري، أنساب الأشراف، طبعة القدس 1936، ج 5، ص 40؛ ابن الفقيه، مختصر كتاب البلدان، B.G.A. ، ج 5، ص 165 ـ 166.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت