فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 396

وجدت رؤية شيعية كارثية، وقد حللها ماسينيون (1) ، كما وجد تصور ثقافي، ما زال حيا، متعلق بالارث النحوي (2) ، إلا أن ايقاع أطوار حياة هذه الحاضرة بقي هزيلا في المخيال الإسلامي. وبذلك تفرض نفسها صورة الحاضرة الإسلامية المتأخرة، الحاضرة المختنقة في أزقتها الضيقة، المسحوقة بتشعبها الفوضوي، المأهولة بالسكان والمتلونة (3) ، وإذا كانت فكرة «المدينة» (4) قد ظهرت بظهور العصر العباسي ـ التي نفترضها متراصة ـ وكذلك فكرة الربض المحيط، يبقى أن الكوفة تميزت بخاصيات المدينة المفتوحة الهندسية الواسعة المهوّاة وهي الخاصيات الموجودة حين كان نشاطها السياسي والعسكري على أشده (17 ـ 132 ه‍/ 638 ـ 749) ، والموجودة مجددا في آخر مراحل حياتها (5) . ولذا وجب في استقرائنا للمدينة الإسلامية من الجيل الأول إمعان النظر باتجاه الماضي القريب (العربي ذاتيا، والماضي الفارسي(6) والهلنستي (7 ) ) ، أكثر من إمعانه بالاتجاه إلى المستقبل أي نحو الجهاز الكلاسيكي، وقد أصبح هذا الجهاز يتماثل مع طول الزمن وإلى حدّ كبير بنمط المدينة العراقية القديمة (8 ) ) .

(2) الفهرست، تحقيق فلوجل Flu ? gel ، ص 64 ـ 77؛ ياقوت، معجم الأدباء، ج 5 ص 106 ـ 115. لقد اعتمدت كل التآليف الكلاسيكية في الأدب والطبقات، المقارنة بين الكوفة والبصرة في مجال النحو الذي ارتبط كثيرا بفقه اللغة، ولا سيما ابن الأنباري. أما عن المحدثين فيراجع جرحي زيدان، تاريخ آداب اللغة العربية، القاهرة، 1924، ج 2، ص 179 ـ 189؛ وأحمد أمين، ضحى الإسلام؛ Brockelmann, Geschichte ـ ـ ـ , sup. I pp. 771 ff. وخصّ المخزومي المدرسة النحوية بالكوفة بدراسة جدية عنوانها: مدرسة الكوفة ومنهجها في دراسة اللغة والنحو، بغداد، 1955.

(3) انظر لاحقا ص 134 من هذا الكتاب.

(4) اليعقوبي، كتاب البلدان، ص 238، 239، 241، 242؛ الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ج 1، ص 71، 74، 76؛ الطبري، ج 8، ص 561.

(5) ابن جبير، الرحلة، بيروت 1959، ص 187 وما بعدها؛ ابن بطوطة، الرحلة، بيروت 1960، ص 219 وما بعدها. وهناك معلومات عند المقدسي في أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، ص 117.

(6) انظر لاحقا، ص 166 ـ 173.

(7) انظر لاحقا، ص 162 ـ 166.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت