فهرس الكتاب
ولأبي حيان التوحيدي المتوفى سنة 380 هـ رسالة [مثالب الوزيرين] [1] ألفها في تعيير المترجم الصاحب وأبي الفضل ابن العميد وقد سلب عنهما مالهما من المآثر والفضائل، وبالغ في التعصب عليهما، وجاء بأمر خداج، وأتى بمنكر من قول وزور، وفاحشة مبينة، وما أنصف وما أبر بإجماع المؤرخين.
شعر المتنبي في ميزان الصاحب بن عبَّاد
السُّخْر لون من الأدب قديم، رافق الشعر العربي منذ قام على قدميه، ومرده إلى نوع من الاستخفاف لا يجد صاحبه سبيلًا للتعبير عنه إلا بالصور المضحكة، وهو بذلك أشد وقعًا في النفس من الهجاء الصريح القائم على التحقير المباشر. فقد يقذف الشاعر أو الكاتب مهجوه بلاذع الكلام، فينال من نفسه أكثر مما ينال من خصمه، إذ يسجل عليها الانسياق لسلطان من الغضب تضعف إرادته عن تصريفه، ولكنه حين يعمد إلى السخر فإنما يدلل على هدوء في أعصابه، يمكن له من تتبع نقائص الخصم في أناة، توهمك بأنه لا يريد تشفيًا ولا انتقامًا، وإنما يريد عرض واقع من حق الناس كلهم أن يشركوه في تعرفه.. ولهذا كان السخر فنًا جميلًا يحقق من المتعة للقارئ والأديب ما لا تحققه فنون التعبير الأخرى.
ومع ذلك فللسخر ضروب تتفاوت في ميزان الجمال، تفاوت النفوس الساخرة، وكثير من الأدباء لا يجد القدرة على إحسانه، لأن نفسه من النوع الذي لا يأتلف غير الجد، فإذا راح يؤلف الصورة أضحكك من نفسه أكثر مما يضحكك من خصمه. وإلى جانب هؤلاء آخرون فطروا على هذه الموهبة، فهم لا يجدون نصَبًا ولا التواءً في حوك ما يقصدون إليه، فإذا هم يتحفونك بما يهزأ طربًا، وربما لا يعجزون أن يهزوا خصومهم بمثل هذا الطرب.
(1) نشرت في [الامتاع والمؤانسة] ص 53 - 67