حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ «§بَلَى أَدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ» إِنَّمَا هُوَ - [108] - اسْتِفْهَامٌ أَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ". وَكَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَجَّهَ ذَلِكَ إِلَى أَنَّ مَخْرَجَهُ مَخْرَجَ الِاسْتِهْزَاءِ بِالْمُكَذِّبِينَ بِالْبَعْثِ. وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَاتِ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ الْقِرَاءَتَانِ اللَّتَانِ ذَكَرْتُ إِحْدَاهُمَا عَنْ قِرَاءَةِ أَهْلِ مَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ، وَهِيَ (بَلْ أَدْرَكَ) ، بِسُكُونِ لَامِ بَلْ وَفَتْحِ أَلْفِ أَدْرَكَ وَتَخْفِيفِ دَالِهَا، وَالْأُخْرَى مِنْهُمَا عَنْ قِرَاءَةِ الْكُوفَةِ، وَهِيَ {بَلِ ادَّارَكَ} [النمل: 66] ، بِكَسْرِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ مِنَ ادَّارَكَ، لِأَنَّهُمَا الْقَرَاءَتَانِ الْمَعْرُوفَتَانِ فِي قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ عِنْدَنَا. فَأَمَّا الْقِرَاءَةُ الَّتِي ذَكَرْتُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَإِنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَةَ الْمَعْنَى وَالْإِعْرَابِ، فَخِلَافٌ لَمَّا عَلَيْهِ مَصَاحِفُ الْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ أَنَّ فِيَ بَلَى زِيَادَةُ يَاءٍ فِي قِرَاءَاتِهِ لَيْسَتْ فِي الْمَصَاحِفِ، وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ قِرَاءَةٌ لَا نَعْلَمُهَا قَرَأَ بِهَا أَحَدٌ مِنْ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ. وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ الَّتِي ذَكَرْتُ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ، فَإِنَّ الَّذِي قَالَ فِيهَا أَبُو عَمْرٍو قَوْلٌ صَحِيحٌ، لِأَنَّ الْعَرَبَ تُحَقِّقُ بِبَلْ مَا بَعْدَهَا لَا تَنْفِيهِ. وَالِاسْتِفْهَامُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إِنْكَارٌ لَا إِثْبَاتٌ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَخْبَرَ عَنِ الْمُشْرِكِينَ أَنَّهُمْ مِنَ السَّاعَةِ فِي شَكٍّ، فَقَالَ: {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ} [النمل: 66] . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: بَلْ أَدْرَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ فَأَيْقَنُوهَا إِذْ عَايَنُوهَا حِينَ لَمْ يَنْفَعْهُمْ يَقِينُهُمْ بِهَا، إِذْ كَانُوا بِهَا فِي الدُّنْيَا مُكَذِّبِينَ."