فإن الإنفاق والتصدق في سبيل الله تعالى باب من أبواب الرحمة التي جعلها الله تعالى بين عباده، ونافذة تدخل منها أنوار المحبة والشفقة والتعاطف بين المسلمين، وغيث يسقي قيعان قلوب قد ذبلت أغصانها لتعاقب أشعة الفاقة والفقر عليها، وتساقطت أوراقها من وهج قيظ المسكنة الذي تصاحبه رياح الذلة العاتية، فتظهر آثار ذلك على وجوه الفقراء شحوبًا، وعلى ثيابهم بلاءً وتمزقًا، وعلى أبدانهم أسقامًا وعللًا، وعلى أطفالهم وقد حرموا مما يتمتع به أبناؤنا من النعيم.
وقد جعل الله تعالى إيتاء الزكاة ركنًا من الأركان الخمسة التي يقوم عليها هذا الدين، وذلك لما تؤديه الزكاة من الدور الضروري في تهيئة التعايش المناسب بين الأغنياء والمعدمين، ولما ترفع الضرر الذي قد يؤدي بالموسر إلى استعباد المقتر، أو يدفع الصعلوك الفقير إلى السطو على أموال الأثرياء بالسرقة أو الغصب أو الاختلاس، أو غير ذلك من الطرق غير الشرعية، والتي تؤدي إلى الفوضى والفساد، والتفكك الاجتماعي، واختلال الأمن، وانتشار العبث والفساد الأخلاقي.
ولم يقف الشرع عند هذا الحد، حتى ندب المؤمنين إلى الإنفاق والتصدق التطوعي، ورتب على ذلك من المرغبات والحوافز، ما يدفع بالمؤمن إلى بذل ماله في سبيل الله دون ندم ولا مبالاة، ألا ترى أن سيدنا عثمان بن عفان ا لما بذل ماله في تجهيز جيش تبوك، قال × في حقه:"ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم؟" (1) وجعل الشرع اليد العليا فوق اليد السفلى، وجعل الجهاد بالمال قسيمًا للجهاد بالنفس، ورتب عليه من الأجر ما رتب على الجهاد بالنفس؛ ولذلك جاء في الحديث:"من جهز غازيًا فقد غزا، أو فكأنما غزا" (2) .
وهذا كتيب أعددناه للترغيب في الصدقة والإنفاق، ذكرنا فيه من الآيات القرآنية، والأحوال النبوية، والآثار المحمدية، والقصص السلفية، والحكايات الأدبية، والأشعار العربية، وغير ذلك مما ينبه الغفلة، ويشحذ الهمة، إلى المسارعة في الإنفاق والصدقة في سبيل الله.
والله المسئول أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به المسلمين.. آمين.
(1) الترمذي (5/626) (3701) ، قال الترمذي:"حسن غريب". وقال الألباني في تحقيقه للترمذي:"حسن".
(2) البخاري (3/1045) (2688) ، مسلم (3/1506) (1895) .