فالحوار إذن له أصل ثابت في منهاج الله قرآنًا وسنة، وهو ينطلق من تأثيرات وأحاسيس تجيش في النفس لإظهار مبدأ، أو تصحيح خطأ، أو نصرة حق أو غير ذلك مما جبلت عليه النفوس البشرية، والمحاورة والمناظرة والجدل ألفاظ قريبة من بعضها.
والحوار من أهم وسائل التفاهم بين الناس، وهو من أهم وسائل المعرفة والإقناع مهما كانت الثقافات والتوجهات، وكذلك من أهم وسائل الدعوة إلى الله، قال تعالى: { ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } ( [6] ) .
ومن هنا كانت الضرورة ملحة للقائمين على الدعوة الإسلامية أن يتقنوا فن الحوار من أجل الوصول إلى قلوب البشر والتأثير فيها نحو الفضيلة والاستقامة على منهاج الله تعالى وقد اهتم النبي - صلى الله عليه وسلم - بأسلوب الحوار، وجعل منه منهجًا في خطاباته للناس ودعوته لهم، لما له من أثر وتأثير بالغين في نفوس المدعوين وعقولهم، ولما له من تحفيز على الطاعات وترك للمعاصي، ولما فيه من تلقين توجيه تربوي لكل الدعاة والمربين إلى يوم القيامة.
ومن أبرز حواراته - صلى الله عليه وسلم - تلك التي كانت بينه وبين قومه المشركين ما يروي ابن هشام عن ابن إسحاق أن عتبة بن ربيعة كان في نادي قريش فقال يا معشر قريش، ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورًا لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا؟ فقالوا بلى يا أبا الوليد قم إليه فكلمه، فجاء عتبة حتى جلس إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال يا بن أخي إنك منا حيث قد علمت من الشرف في العشيرة والمكانة في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمرٍ عظيم فرّقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورًا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: قل يا أبا الوليد، أسمع.