الصفحة 111 من 228

وإنما أوردت هذا المثل لتعلم أن يكون في هذه الوحوش من لم يكن له إطلاع على صلحنا وتوافقنا فبمجرد ما ينظرنا يتخلف أو يهرب فيحصل لغيره بسببه قتل ويقع خلل فيما أمرنا به، فالمصلحة تقتضي أن تذهب الحمامة إليهم وتشهر الندا والأمان والاطمئنان حتى يطلع على هذا الأمر كل واحد منهم ثم تتوجه أنت ورؤوس الحاضرين وتجتمع بطوائفهم وتقرر معهم الأمور بحيث تطيب خواطرهم ولا يقع منهم شيء تختل به القاعدة، فتوجه الوزير ورؤساء الجند للملاقاة وقد سبقت الحمامة وأشهرت المناداة حسبما ذكر ثم وصل الوزير مع رؤساء الجند ولاقى الحيوانات والوحوش وتسامع بذلك سكان الصحارى والقفار والجبال وسكان الفلاة والغابات والأحجار، ثم أقبلوا يسعون جميعًا إلى خدمة الزكي فأنزل كلًا منهم في محله وأقام كلًا منهم في وظيفته ليعمل فيها بالإخلاص والنصح واستقام له الأمر بواسطة عدله فيهم وإصابة رأي وزيره.

وفائدة هذا المثل أنه ينبغي لأشرف المخلوقات وهم جنس بني آدم أن ينتبهوا لمثل هذه الأمور وما احتوت عليه من رموز الإشارات ويسلكوا إذا سادوا ورأسوا ويتأملوا أن مثل هذه الأشياء إذا كانت صادرة عن الكلاب التي هي من أحسن المخلوقات فبالطريق الأولى أن يتلبس بها أشرف المخلوقات الذي رفع الله مقداره بقوله تعالى: ولقد كرمنا بني آدم وأي إكرام أحسن من العقل وأفضل من عدل الملوك الذين ملكهم الله تعالى رقاب المخلوقات وحكمهم في أموالهم ولابد يسألهم عنهم لأن كل راع مسؤول عن رعيته وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا المعللون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت