الصفحة 43 من 106

كأن يريد بيان حال القائل، أو غيره من القصود التي تختلف وتتنوع باختلاف وتنوع المكان والزمان والأحوال، فمن كان هذا حاله هل يكفر بهذه الحكاية أو لا؟

لقد ناقش فقهاء الإسلام هذه المسألة وبينوا ألا تكفير في حكاية الكفر، فمن حكى قولا كفريا لايكفر به قال النووي في المجموع:"لا يصير المسلم كافرا بحكايته الكفر" [1] وقال ابن مفلح في الفروع:"ولا يكفر من حكى كفرا سمعه ولا يعتقده، ولعل هذا إجماع" [2] .

هذا وقد شرط بعضهم كالغزالي أن لا تقع الحكاية إلا في مجلس الحاكم، لكن قال ابن حجر الهيتمي:"وفيه نظر بل ينبغي أنه حيث كان في حكايته مصلحة جازت" [3] ، ولهذا يحكي العلماء الحكايات الكفرية في كتاب الردة من الفقه، وفي الكتب العقدية وهم على هذا الحال منذ القدم دون نكير، ولو كانت الحكاية كفرا لما فعله العلماء وهذا يعني الإجماع على جواز ذلك وعد الكفر به، لكن ينبغي أن نفرق هنا بين مقامين: الأول حكاية الكفر قولا وهذا ما سبق الحديث عنه، والثاني حكايته فعلا كأن يشهد شاهد على آخر بأنه أخذ المصحف وداس عليه أو رآه يسجد لصنم ونحو هذا ففي هذه الحالة لا تجوز الحكاية بأن يقوم الشاهد ويحاكي تلك الأفعال، لأن الغرض معرفة الفعل وقد حصلت بالقول، كما أن فيه تكريرا للمنكر بغير داع.

الشرط الثاني: قيام الحجة:-

أن يكون قول أو عمل ما مكفرًا كفرًا أكبر -في غير سب الله ونحوه- مما سبق بيانه، لا يعني كفر القائل وإن قصده حتى تقوم على القائل الحجة بأن هذا القول كفر.

يقول ابن تيمية:"حكم الوعيد على الكفر لا تثبت في حق الشخص المعين حتى تقوم عليه حجة الله التي بعث بها رسله" [4] .

وقال:"وليس لأحد أن يكفر أحدًا من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة وتبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وازالة الشبهة" [5]

(1) 3/ 107وانظر تحفة المحتاج 9/ 80

(2) 6/ 166وانظر مطالب أولي النهى6/ 282

(3) التحفة 9/ 80

(4) بغية المرتاد311

(5) مجموع الفتاوى 12/ 466

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت