وشيخ الإسلام ابن تيمية وإن تشدد على غيره ممن يخالفه في بعض مسائل الاعتقاد، فهو في حقيقة الأمر يتشدد لما يراه صوابًا ويرى وجوب بيانه، ويرى ما عليه غيره باطلًا يجب محاربته وكشفه، لكنه عندما يتكلم عن الأشخاص من علماء الإسلام المخالفين له فكثيرًا ما كان يثني عليهم ويعتذر لهم ويتأول لأقوالهم، إلا إذا رأى أنه لا يصح تأويل هذه الأقوال، لكونها لا تقبل التأويل، ولما فيها من الكفر الصريح، كما فعل مع ابن عربي.
وللأسف تشدد غيره عليه بأشد مما تشدد الشيخ وقام كثيرون ضد ابن تيمية انتصارًا منهم في كثير من الأحيان لقضايا فقهية كالطلاق الثلاث، أو انتصارًا لأشخاص كابن عربي وأمثاله ممن امتلأت كتبهم بالغرائب التي لا يقولها مسلم مع اعتراف هؤلاء بما في كتبه من مخالفات شرعية وألفاظ تخالف الدين وتضرب العقيدة في العمق، ولهذا حرم بعضهم مطالعة كتب ابن عربي ونحوه كما ذهب إلى هذا السيوطي محاولة منه للجمع بين القولين في هذه الشخصية.
وهنا تبرز نقطة هامة وهي مسألة تشخيص المبادئ بحيث تصبح رديفة للأشخاص مع أن الأصل أن الرجال يعرفون بالحق لا العكس، لأن الحق -وهو المنبع الصافي- هو الوحيد الذي له العصمة كما أنه المعيار الوحيد أيضًا الذي يوزن به الناس وأفعالهم ومن خلاله يظهر قرب أحدهم من الحق أو بعده.
لقد تعصب كثيرون ضد ابن تيمية لأنه قال في ابن عربي ما قال، مع أنه لم يحكم بكفره في نهاية المطاف، كما أن قول ابن تيمية في ابن عربي وأمثاله، لم يكن من ابتكارات الشيخ وحده، بل قاله وسبقه إليه كثيرون غيره، ويكفي أن نذكر منهم هنا الإمام العلم محمد بن إسماعيل بن المقري، والبرهان البقاعي، والموزعي وهم من أئمة الشافعية الكبار وقد كفروا ابن عربي صراحة بسبب عقيدته الفاسدة كما قالوا.
والخطأ الفادح أيضا أن بعضهم أراد أن ينتصر لابن عربي لا بتبيين خطأ قول الشيخ وتقديم البراهين والحجج على ذلك، ولكن بتكفير ابن تيمية! وهذا في حقيقة الأمر ليس منهج العلماء الربانيين ولهذا لم يسلكه إلا بعض المغمورين والمقلدين.
ولقد تأول بعضهم كلام ابن عربي الغريب عن المنهج الإسلامي والذي ملأ مجلدات بحيث حملوه على محامل حسنة وما صعب منه قالوا فيه بأنه على اصطلاح القوم، في حين أنهم لم يتأولوا للشيخ في مسألة ذكرها في بعض كتبه وهي مسألة القدم النوعي أو تسلسل الحوادث وجعلوا منها