الصفحة 65 من 106

المبحث الرابع: الغلو في التكفير

الغلو لغة يعني مجاوزة الحد يقال غلا في الدين غلوًا إذا تشدد وتصلب حتى جاوز الحد، وعليه فالغلو في التكفير يعتبر تجاوزًا للحدود التي جعلها الشارع للحكم على الفرد بالدخول أو الخروج من الإسلام.

إن الإفراط في التكفير يشكل جزأ كبيرًا ومؤثرًا ضمن فكر ومنظومة الغلو، وإن الله عز وجل قد نهى عباده في كل دين عن الغلو بأي نوع كان وتحت أي مسمى يقول سبحانه: (قل يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرًا وضلوا عن سواء السبيل) (المائدة77) وصح في السنة قوله صلى الله عليه وسلم:"أياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين" [1] .

إن من ميزات الإسلام عمومًا أنه دين الاعتدال فهو وسط بين الغالي فيه والجافي عنه، وهو لا يقبل الغلو بأي شكل من الأشكال بل يرفضه وينبذه، ومع هذا فقد وقعت طوائف من المسلمين في هذه الحفرة المتنوعة والمختلفة الأنحاء، ومسألة التكفير مثلها مثل كثير من المسائل والقضايا التي انقسم فيها الناس إلى أطراف ووسط.

والغلو في التكفير أمر وقع قديمًا وحديثًا، فقد شهده المجتمع الإسلامي مبكرًا في ثلة ممن لم يفقهوا الدين أخذوا يكفرون الأمة بما فيها الصحابة، ثم ما لبثوا أن كفر بعضهم بعضًا، وهؤلاء هم من عرفوا في تاريخنا الإسلامي بالخوارج، والذين وصمهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم (كلاب النار) كما روى هذا أبو أمامة، وعبد الله بن أبي أوفى [2] .

ثم جاءت المعتزلة ونهجت نهجًا قريبًا منهم فيما يتعلق بتوسيع نطاق التكفير والإفراط فيه تحت قاعدة ابتدعوها وهي (تكفير مرتكب الكبيرة) فكان عاقبة فكرهم هذا تكفير الأمة جميعًا خاصة أنهم لم يراعوا ضابطًا أو عذرًا، ولم يتقيدوا بشرط أو مانع.

لقد كان من النتائج الوخيمة لهذا الفكر التكفيري الغالي أن قامت الخوارج بقتال المسلمين واستباحة دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وقام آخرون بامتحان الناس والزجهم بهم في السجون

(1) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه 4/ 2867

(2) أخرجه الترمذي 5/ 226 وابن ماجه 1/ 61 والحاكم 2/ 163و3/ 660 وغيرهم، ومعنى أنهم كلاب النار أي أخسهم وأحقرهم كما أن الكلاب أخس الحيوانات وأحقرها، أو أنهم ينبحون على أهلها لشدة العذاب كالكلاب، أو أنهم يكونون فيها على صورة الكلاب. (فيض القدير3/ 366) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت