فهرس الكتاب
بقيتْ قُبَّةُ آيا صوفيا مُتفوِّقةً على ما عَداها ، ولما جاءَ المعمار سنان بن عبد المنان ، اشتدت الْمُنافَسَةُ العُمرانية في عهد السُّلطان سُلَيْمَان القَانُوْنِيّ ، فبنى سنان مجمعَ السُّلَيْمَانِيَّة ، فتفوَّق على آيا صوفيا كمجمعٍ بما يتبعه من مرافق حضارية مُتكاملة ، تشمل ما هو مطلوبٌ دِينيًّا ودُنيويًّا ، ولكنَّ قبَّة السُّلَيْمَانِيَّة لم تُحطِّم الرقمَ القياسي الذي بقيتْ تحتفِظُ به قبَّة آيا صوفيا .
وبنى سنانُ جامع شاه زادة في إسلامبول إلى الجنوب من السُّلَيْمَانِيَّة في جوار مقر رئاسة بلدية إسطنبول حاليًا ، وعلى رغم ما تميَّزَ به هذا الجامع من ميزات معمارية فنيّة ، وسِعَةٍ وارتفاعٍ وزخرفةٍ ، فإنَّ آيا صوفيا بقيت مُحتفظةُ بالرقم القياسي .
ورَحَلَ السُّلطان سُلَيْمَان القَانُوْنِيّ إلى دار البقاء في ( 8 ربيع أول 974هـ/2/10/1566م ) من دُوْن أنْ يُحطِّمَ المعماريون العثمانيون الرقمَ القياسيَّ البيزنطيَّ الذي ظلَّتْ تحتفِظُ به قبَّةُ آيا صوفيا [1] .
(1) وبعدَما انتقلَ السُّلطان سُلَيْمَان القَانُوْنِيّ إلى رحمة الله ، آلتِ السلطنةُ والخلافةُ إلى ابنه سليم الثاني الذي قاد البلاد بجسارة خارقة ، واحتلت قواته مدينة موسكو ، فهرب منها إيفان الرهيب سنة ( 979هـ/1571م ) ، كما وصلتْ القواتُ العثمانية إلى إندونيسيا ، فأنقذتها من الغزو البرتغالي سنة ( 976هـ/1568م ) .
ولم تقتصر أنشطةُ سليم الثاني على ميادين الحروب ، بل طَلَبَ من المعمار سنان أنْ يُحطِّمَ الرقم القياسيَّ العُمرانِيَّ ببناء قُبَّةٍ تفوْقُ قبَّةَ آيا صوفيا ، فدرسَ سِنان طبيعة الأرض ، وخَرَجَ بنتيجةٍ تفيدُ أنَّ أرضَ مدينة إسطنبول غيرُ صالحةٍ لتشييد قبّة تتفوَّقُ على قبّة آيا صوفيا ، ولذلك انتقل غربًا إلى مدينة أدرنة ،= = فاختار موقعًا مرتفعًا ، فشيَّدَ فيه مجمعًا يضمُّ سُوقًا مسقوفًا ، والكثير من الملحقات الإنسانية ، وبنى جامعَ السليمية ذا القبَّةِ التي حطَّمَت الرقمَ القياسي حيث بدأ ببنائه سنة ( 976هـ/1568م ) ، وأتمّه سنة ( 981هـ/1573م ) ، وتفوَّقتْ على قبّة آيا صوفيا التي بُنيت ما بين سنة ( 532 ) وسنة ( 537 ) ميلادية . وأظهرَ المعمارُ سنان عبقريةً فريدةً في إقامةِ القُبَّةِ ؛ وذلك ببنائها فوق قاعدة دائريةٍ محمولةٍ على شكلٍ مُثَمَّنٍ يرتفعُ على ثماني قناطر ، معقودةٍ فوق ثماني « بوائك: ركائز » عرض كل قنطرة منها ستة أمتار ، وهذه القناطر وفَّرَت الكثيرَ من منسوب ثقل البُنيان فيما لو أقيم على جدران ، وتم تخفيف ثقل البناء أيضًا بالإكثار من النوافذ والكُوّات ، مما خفّف من ضغط البناء الذي بلغت مساحته 2475 مترًا مربعًا ، وأتاح فرصة التوسُّعِ بمحيط دائرةِ القبة التي بلغ قطرُها ( 31 ) مترًا و ( 30 ) سنتيمترًا ، ورفع سقفها مسافة أعلى بلغت ( 43 ) مترًا و (28 ) سنتيمترًا ، وأحاط القبّةَ بأربع مآذن ، يبلغ ارتفاع كلٍّ منها ( 70 ) مترًا و ( 89 ) سنتيمترًا . وهكذا ختم المعمار سنانُ حياته بتحطيم الرقم القياسي العالمي لأوسع محيد دائرة قبَّةٍ في العالم آنذاك ، ثم مات سنان بعد أن تجاوز الثمانين سنة ، ودُفن في الضريح الذي أعدَّهُ لنفسه في جوار جامع السُّلَيْمَانِيَّة . انظر جريدة الحياة ــ لندن ( 7/10/2007 ) . مجالس ــ تطوّر العمارة العثمانية وتفوُّقها في جامع السليمية في أدرنة ، الكاتب: محمود السيد الدغيم . ومجالس ــ المعمار العثماني الكلاسيكي في عهد سليم الأول ، الحياة: ( 24/9/2007م ) ، الكاتب: محمود السيد الدغيم .